الجمعة 13 فبراير 2026 10:01 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

المخرج أمين مريدبحر يكتب: رمضان.... سؤال في وجه الزمن

المخرج أمين مريدبحر
المخرج أمين مريدبحر

لم يكن رمضان في الذاكرة مجرد شهرٍ للصيام، بل كان حالةً عامة تسري في الشوارع والبيوت والقلوب معًا. كان يأتي خفيفًا، بسيطًا، كريمًا بطبعه، وكأن الخير يسير في ركابه. لم تكن الزينة تُشترى جاهزة فحسب، بل كانت تُصنع بالأيدي وتُعلَّق بالمحبة. كانت لمبات الشوارع الصغيرة تكفي لتضيء الروح قبل أن تضيء الطريق، وكان الأطفال يتشاركون في تعليق الفوانيس، كما يتشارك الكبار في صناعة أجواء الفرح.

في تلك الأيام، لم يكن السؤال عن أسعار السلع هو العنوان الرئيسي للشهر. كانت الحياة أقل تعقيدًا، والاحتياجات أبسط، والرضا أكبر. كان رمضان يدخل البيوت دون أن يطرق باب القلق، فلا ينشغل الناس بكيف سيكملون الشهر بقدر ما ينشغلون كيف يجعلونه أجمل. وربما لم تكن الظروف مثالية، لكن الإحساس العام كان مختلفًا؛ كان هناك شعور بأن الخير متاح، وأن المشاركة ممكنة، وأن اليد الممدودة لن تعود خالية.

ومن أجمل صور ذلك الزمن، ما عُرف بـ"مائدة الرحمن". لم تكن مجرد موائد طعام، بل كانت مساحة للكرامة قبل أن تكون مساحة للإطعام. في كل شارع، بل في كل منطقة تقريبًا، كان هناك من يتسابق لإقامة مائدة، لا بحثًا عن صورة ولا لافتة دعائية، بل رغبةً في الأجر ومشاركة البركة. كان التنافس في الخير صامتًا، لا يحتاج إلى إعلان، وكانت البساطة عنوانًا له.

وإذا عدنا إلى الأحياء الشعبية، سنجد صورة أكثر عمقًا لمعنى رمضان. لم يكن الشهر يعرف حدودًا بين مسلم ومسيحي. كان الجيران يتبادلون الدعوات، ويتقاسمون الطعام في مشهدٍ عفوي لا يحتاج إلى شعارات عن الوحدة الوطنية. كان هناك ما يُسمى بـ"الطبق الدوّار"؛ طبق ينتقل من بيت إلى بيت حتى لا يُعرف صاحبه الأول. كانت الفكرة أن البركة لا تُحتكر، وأن الطعام حين يدور تتسع معه القلوب.

في تلك الأجواء، كان الإيمان يسكن القلوب بهدوء، دون ضجيج. لم يكن التدين ظاهرًا بقدر ما كان السلوك يعكس معناه. التسامح كان حاضرًا، والمشكلات تهدأ، وكأن الشهر يحمل معه هدنةً غير مكتوبة بين الناس. كانت وجوه الصائمين تلمع ببهجة حقيقية، لا تكلّف فيها ولا تصنّع.

غير أن الصورة اليوم تبدو مختلفة إلى حد بعيد. يأتي رمضان، لكن البهجة لا تسبقه كما كانت. الشوارع أقل زينة، والأحاديث أكثر قلقًا. أصبح السؤال الأكثر حضورًا: كيف نواجه الأسعار؟ كيف نوفّر احتياجات البيت؟ كيف نكمل الشهر دون أن تتراكم الديون؟ لم يعد القلق استثناءً، بل صار جزءًا من الاستعداد للشهر.

حتى موائد الرحمن، التي كانت عنوانًا للتكافل الشعبي، أصبحت تخضع لإجراءات وتصاريح، وأحيانًا لا تستطيع الاستمرار إلا بدعم جهات كبيرة. من ناحية، قد يكون التنظيم ضرورة، لكن من ناحية أخرى، تراجع الدور الشعبي العفوي، وحلّ محله نمط أكثر رسمية وأقل دفئًا.

ومن جانب آخر، تغيّر شكل العمل الخيري نفسه. لم يعد دائمًا عملاً صامتًا خفيًا كما كان، بل صار في كثير من الأحيان صناعة إعلامية. حملات إعلانية بملايين، نجوم يروّجون للتبرعات، منافسة على جذب الأنظار قبل جذب القلوب. لا يمكن إنكار أن هذه الحملات تجمع أموالًا وتساعد محتاجين، لكن السؤال يبقى: هل فقدنا شيئًا من روح العطاء حين أصبح الخير مرتبطًا بالصورة والانتشار؟

حين يدفع البعض مبالغ طائلة للدعاية، بينما يترددون في دعم أسرة بسيطة بمبلغ محدود، يشعر الناس بأن الميزان اختل. ليس المطلوب إدانة أحد، بل مراجعة هادئة للفكرة: هل أصبح الخير مشروعًا تجاريًا؟ وهل تحوّل الشهر إلى موسم استهلاك أكثر منه موسم تزكية؟

ومع ذلك، فإن تحميل رمضان مسؤولية ما يحدث قد يكون تبسيطًا مخلًا. فالشهر هو هو، لم يتغير في جوهره. ما تغيّر هو السياق الاجتماعي والاقتصادي، وتغيرت معه قلوب الناس وهمومهم. الضغوط المعيشية حقيقية، والتحديات اليومية أثقل مما كانت عليه. وربما لهذا السبب تراجعت مساحة الفرح، لا لأن رمضان فقد نوره، بل لأننا أصبحنا أقل قدرة على التقاطه.

هنا يبرز السؤال الأهم: هل تغيّر رمضان أم تغيّرنا نحن؟
ربما الإجابة الأقرب أن التغير أصابنا نحن. انشغلنا بالصورة أكثر من الجوهر، وبالمظهر أكثر من المعنى. اختزل بعضنا الشهر في صيام البطون، بينما جوهره أوسع بكثير: صيام عن القسوة، عن الجشع، عن الغضب، عن الظلم. رمضان ليس فقط امتناعًا عن الطعام والشراب، بل دعوة لإعادة ترتيب الداخل.

وإذا كانت الظروف أصعب اليوم، فإن الحاجة إلى روح رمضان أصبحت أكبر. نحن في حاجة إلى إحياء المعاني التي صنعت ذلك الدفء القديم: المشاركة، البساطة، التكافل، والنية الصافية. لسنا مطالبين بإعادة الزمن، لكننا قادرون على استعادة بعض ملامحه في سلوكنا اليومي.

قد لا نستطيع إنارة الشوارع كما كانت، لكننا نستطيع إنارة بيوتنا بالكلمة الطيبة. قد لا نُقيم مائدة كبيرة، لكن يمكننا أن نطرق باب جار محتاج. قد لا نغيّر السوق، لكن يمكننا أن نغيّر أسلوبنا في التعامل. فالإصلاح يبدأ من دوائر صغيرة، لكنها تتسع حين تتكرر.

في النهاية، يظل رمضان فرصة سنوية لمراجعة أنفسنا قبل أن نراجع غيرنا. فإذا شعرنا أن البهجة تراجعت، فلنسأل: ماذا قدمنا نحن لها؟ وإذا رأينا الجشع يتسع، فلنحاول أن نكون جزءًا من نقيضه. فالشهر لا يختفي، لكنه ينتظر قلوبًا تستقبله كما كان يُستقبل.

وربما أبسط نقطة في رمضان هي صيام البطون، لكن أعظم نقاطه صيام القلوب عن القسوة.
فهل نستقيم… يرحمنا الله؟

المخرج أمين مريدبحر رمضان: سؤال في وجه الزمن الجارديان المصرية