الجمعة 13 فبراير 2026 11:42 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

خالد درة يكتب من باريس : بالعقل أقول…( الإسلام السياسي .. بين خسارة السّياسة و خسارة الدِّين )

الكاتب الكبير خالد درة
الكاتب الكبير خالد درة

منذ ظهر ما يسمى بالإسلام السياسي على الساحة السياسية فى الكثير و العديد من الدول ، أخذ الإسلام السّياسي وقته و دوره في السُّلطة ، بعد تقديم شعاراته في المعارضة ، أنه سيحقق العدل الإلهيّ على الأرض ، و يثبّت الدِّين في قلوب الزائغين ، لكن لو حقق العدالة ، مثلما قدّمها ، و هو في المعارضة ، لا يأتي اليوم الذي يثور عليه الذين جذبتهم شعاراته ، فأخيراً النَّاس لا تعلك الأفكار أو العقائد ، المقدسة أو غير المقدسة ، بل ينتظرون التنمية ، و عدم جعلهم مشاريع استشهاد ، لأجل العقيدة ..

فقد مارست تلك الأحزاب ، مِن خارج الإسلام السياسيّ ، أيضاً ، لكنَّ الأخير مسؤوليته أكبر و أخطر ، لأنه ربط عقيدته السّياسية بالله و الدين ، إذا انتصر فهو بانتصار الدِّين و تأثيره في النَّاس ، و إذا فشل حُسِبَ فشله على الدّين أيضاً ، و هنا يظهر الفصل عنده بين المؤمن و الملحد ، وفق القُرب منه و البُعد عنه ، حتّى لو كان البعيد ، المخالف له ، حجةً مِن حجج الإسلام و فقهاءه الكبار، فالقيمة ليست المنزلة في الدين إنما المنزلة في السياسة ، و المُعارض أو المختلف السياسيّ ، مهما كان متديناً يغدو متآمراً كافراً ، لأنه إختلف مع العقيدة الدينية السياسية ، و الشّواهد كثيرة فى ذلك ...

فقد روي لمّا «أفضى الأمر إلى عبد الملك بن مروان ، و المصحف في حجره يقرأه ، فأطبقه ، و قال : هذا آخر عهد بك» ( البغدادي ، تاريخ مدينة السَّلام ) ، و هي إشارة واضحة أنه سيحكم النَّاس بأسس دنيوية ، فالسّياسة و الحُكم لهما شأنهما ، و الروايات تذكر أن عبد الملك كان مشروع فقيه ، قبل أن يتولى الخلافة بقليل (المصدر نفسه) .. و ربّما هناك مُعترض يشكك في الرواية ، مع أنَّ الخطيب البغدادي (463هج) نقل الرواية بأسانيد و مِن وجوه مختلفة ، لكنه يكفي أن المعلومة بُحثت و دوِّنت في القرن الخامس الهجري ..

كذلك يُنقل عن الصَّحابي ثُمامة بن عَدِي ( بعد 35 هج ) ، أمير صنعاء في عهد عثمان بن عفان (23-35هج) ، لما بلغه قتل الخليفة ، بعد الانحراف عن بساطة الحكم و المشورة : «طال بكاؤه ، ثم قال : هذا حين انتزعت خلافة النَّبوة ، من أمة محمَّد (ص) و صارت مُلكاً و جبرية! مَن غلب على شيء أكله» ( ابن عبد البر ، الاستيعاب ) ، و يغلب على الظَّن أن الوصف ينطبق على الإسلام السياسي ، فما السُّلطة في كلِّ صنوفها إلا مغالبة ، و حتى الانتخابات التي تريد الأحزاب الدينية النفاذ عبرها إلى السُّلطة هي مغالبة و مفاضلة ، و صرف مال و تقديم هذا على ذاك ، و استخدام الشّعارات الدّينية فيها لإغراء النّاخبين و تحميسهم ..

فلم يُقدَم الإسلام السياسيّ ، و قد نال السّلطة لعقود في أكثر مِن مكان و على اختلاف المذاهب ، و النموذج المتكافئ مع العقيدة الدّينية ، لأنه سيحكم بالسّياسة لا بالدين ، مثلما أشار إلى ذلك ما نُقل عن عبد الملك بن مروان .. فقد تبيح السِّياسة ما يمنعه الدِّين ، في شأن تطبيق العدالة ، و هي - أي السُّلطة - بيدها القوة التي تتفرد بها ، لتحمي نفسها بشتى السُّبل ، و هي تُصيب و تخطئ ..

و أيضاً لأبي العلاء المعري (449هج) ما يُعبر عن الحال : «جَهولٌ بالمَناسِكِ ليس يَدري /أغَيّاً باتَ يَفْعَلُ أم رَشادا / طَموحُ السّيفِ لا يخْشَى إلهاً / و لا يَرجو القِيامَةَ و المَعادا» ( لزوم ما لا يلزم ) ، و السَّيف هو السُّلطة ، سواء كان صاحبها متديناً أو غير متدين ، هذه حقيقة مارسها فقهاء كبار عندما تسلموا الزِمام ، فأباحوا و حرّموا حسب ما اقتضته الّسياسة لا الدّين ..

و لا نعتبر الجميع ، مِن الأحزاب الإسلاميّة ، الذين اتخذوا مِن الدّين ستراً ، فمنهم مَن اعتقد صادقاً أن السياسة و الدّين متلازمان ، هذا في المعارضة ، لكن عندما جاءت السُّلطة واجهوا الوهم ، و لم يفعلوا ما فعله عبد الملك بن مروان ، فتعدوا خشية الله لضرورة الحُكم ، و كم قُتل مِن رجال الدّين بسيف السلطة الدينية نفسها ..

و بيد أنَّ الجماهير نفسها ، التي صدّقت بالشعارات الدّينية ، عادت و ثارت عليها ، لأنَّ ما طُبق سياسة لا دين ، فالأحزاب العقائديَّة جميعاً عندما تقرأ نظرياتها قد تجد فيها مثالية «جمهورية أفلاطون»، لكن عند مواجهة الواقع ، تباح «الفرعنة» مِن أجل حماية النّظام ، و عندها تخسر هذه القوى السُّلطة و الدِّين معاً .

خالد درة بالعقل أقول…( الإسلام السياسي .. بين خسارة السّياسة و خسارة الدِّين ) الجارديان المصرية