الجمعة 13 فبراير 2026 10:04 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب : جدد حياتك في رمضان..

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

إن الروتين اليومى لجميع الناس يصيبهم بالملل ، ويشعرهم بالضيق ، ويصبح
المرء خاليا من أي عاطفة تذكر ، وكأنه آلة تتحرك ، فرب الأسرة مثلا يستيقظ
من نومه في ساعة محددة ، فيشرب كوبا من الشاي بسرعة شديدة ، ثم يرتدى
ملابسه كذلك ، ثم يخرج ليذهب إلى عمله ، فيركب الشاحنة الذى يركبها كل يوم
، وعندما يصل إلى عمله ، فيعمل كما فعل بالأمس ، لا ابتكار ، ولا إبداع ، فإذا
انتهى وقت عمله ، فيخرج مسرعا ، وكأنه خرج من عقال كان مكبّلا به ، ثم
يذهب إلى بيته كعادته ، فيتناول غداءه الذى لا طعم له ، ولا مذاق ، ثم يذهب إلى
فراشه لينام .. وكذلك زوجته تشعر هي أيضا بالملل للروتين اليومى لها ، والذى
لا ينتهى ، وتظل تحدث نفسها ، فلا يشعر بها أحد ، فزوجها ، وكأنه غير موجود
،فلم يدعّمها بأى كلمة إطراء ،ولم يشاركها في تربية أبنائهما ، بل لا يدرى عنهم
شيئا ؟ ! فكل منهم في واد يغرد ما يحلو له !
ولذلك جعل الله شهر رمضان في كل عام ، وجعل فيه ديناميكية رائعة ليقطع ذلك
الروتين ، كما يقطع السكين اللحم ، ويزيل تلك السآمة الجاسمة على صدر المرء
، وكاد المرء أن يتلفظ أنفاسه الأخيرة من شدتها .. كما يعتبر هذا الشهر دورة
تدريبية شاملة "نظريا ، وعمليا" ولا يحتاج فيها المتدرب إلى محاضرات نظرية
كثيرة ، ومعسولة ، حيث يستفيد في هذا الشهر الكثير من الفوائد التي لا تعد ،
فمنها على سبيل المثال ، أنه يؤثر إيجابا على الصحة الجسمية ، فيتخلّص جسمه
من الخلايا التالفة ، وتستبدل بخلايا صحية جديدة ، كما انه يخلص جسمه من
السموم ، فضلا عن تأثيره الإيجابى على سائر أجهزة جسمه ، كما يؤثر إيجابا
أيضا على الصحة النفسية ، فيقلل القلق ، والاكتئاب ، ويحسّن المزاج ، والشعور
بالسكينة ، والراحة النفسية ، ويتقد التفاؤل في النفوس ، كما تتقد الشمعة في
شدة الظلمات الكالحة ، كما أن هذا الشهر يقوّى الإرادة الهزيلة التي تضعف أمام
عبث شهوتى البطن ، والفرج ، ويشعر حينها بلذة الطعام ، والشراب ، ولو كانا
بسيطين .. سأل حكيم تلاميذه : ما هو أشهى طعام لكم ؟ فكل منهم قال ما يشتهيه
، ولكن أجاب الحكبم : أن أشهى الطعام عندما يشعر المرء بالجوع ، ولو كان
الطعام بسيطا ، ولذلك يشعر المتدرب بالسعادة الغامرة عندما يتناول إفطاره ، ولو
كان متواضعا ، كما أن هذا الشهر يعزز الجانب الاجتماعي ، حيث تجد الأسرة
المشتتة تتناول الإفطار على مائدة واحدة ، وفي وقت واحد ، كما تكثر دعوات
الأقارب ، والأصدقاء في هذا الشهر لتناول الإفطار معا ، وعلى وجوههم ابتسامات
مشرقة ينبعث منها الود ، والحب المفقودين ، وليس هذا فحسب ، بل أن هذه
الدورة تحفّز المارد الإيمانى الكامن داخل كل مرء ليخرجه إلى جوارحه ، فيتلاشى
سلوكه السلبى ، ويظهر عليه سلوكا جديدا إيجابيا ، وتنكسر تلك الأنوف المتكبرة
، والمتجبرة ، ويتواضع المتدرب للفقراء ، والمحتاجين ، ويخفض أجنحته لهم ،
كما يخفض الطائر أجنحته على صغاره ، ويستيقظ الجود ، والكرم النائمين داخله
، فيشعر بأحاسيسهم ، وتألم بطونهم التي تئن من شدة الجوع ، وثقل الهموم ..
كما أن قراءة المتدرب للقرآن ، والاستماع له أثناء صلواته ، ولا سيما صلاة
القيام ، تجعل القرآن يخترق أحاسيسه ، وتهتز مشاعره ، ووجدانه ، وتستثير
عقله ، فتتسامى أخلاقه ، وتعلو روحه إلى عنان السماء بينما هو على الأرض
بين وقوف ، وركوع ، وسجود ، ذاكرا لله بخشوع تام .. ولذلك لم يكن غريبا
أن يجعل الله هذا الشهر الكريم فريضة في كل العام ، ليكون نموذجا عمليا ،
وشاملا ، كى يغير المتدرب إلى ما هو أفضل ، ويصبح إنسانا ممتلئا بالأمل ،
ومتفائلا بالحياة ، ومحبا لأسرته ، ولأقاربه ، وأصدقائه ، ومخلصا لعمله ،
ومبدعا في أفكاره ، وأن هذه الدورة الرمضانية تنتشله من رتابة الروتين اليومى
، ومن تلك الحياة التي لا روح لها ، ولا عاطفة ، كما ينتشل قطعة الذهب من
الماء الراكد ، يقول تعالى"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ علَى
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون" وحثنا على انتهاز فرصة هذه الدورة كى نستفيد
منها أيما استفادة ، فقال "فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه" فما أروع تلكم الدورة
المجانية ، والشاملة ! وما أكثر فائدتها ! وما أعظمه من إله ! فهل تحب أن
تشارك في هذه الدورة لتجدد حياتك ؟ أم تحب أن تظل في تلك الدائرة المفرغة ،
وذلك الروتين الممل ؟ !

زكريا سليمان جدد حياتك في رمضان.. الجارديان المصرية