د. ماجدة عبدالحى تكتب : في بنها… حين يتحوّل العقاب إلى فضيحة، وتصبح البلطجة مشهدًا علنيًا بلا رادع
لم تكن الواقعة مجرد تصرّف فردي عابر، ولا «خلافًا شعبيًا» خرج عن السيطرة، بل كانت مشهدًا صادمًا كشف حجم الخلل الذي أصاب وعينا الجمعي، حين يتحوّل العقاب إلى استعراض، وتتحوّل الإهانة إلى وسيلة للردع، ويُسحب الإنسان من إنسانيته أمام الناس.
في بنها، أُجبر شاب على ارتداء بدلة رقص وسط تجمع من المواطنين، في واقعة إذلال علني لا يمكن تبريرها تحت أي مسمّى أخلاقي أو اجتماعي أو تربوي.
تحوّلت الكرامة إلى مادة للسخرية، وتحول الألم إلى فرجة، وتحول الإنسان إلى مشهد.
السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس:
ماذا فعل هذا الشاب؟
بل: ماذا فعلنا نحن؟
أين ذهبت كلمة «حرام»؟
وأين تراجعت كلمة «عيب»؟
وأين اختفى ذلك الضمير الجمعي الذي كان يجعل المجتمع يقف في صف الكرامة لا في دائرة الإهانة؟
الأخطر من الواقعة نفسها، هو المشهد المحيط بها:
تجمّع، تصوير، ضحك، تبرير…
وصمت ثقيل.
نستغرب بعد ذلك لماذا تتزايد البلطجة، ولماذا تتوحّش التصرفات، ولماذا تسقط هيبة القانون من الوعي اليومي.
والحقيقة المؤلمة أن السلبية لم تعد موقفًا محايدًا، بل أصبحت شراكة غير مباشرة في صناعة الجريمة.
مهما كان هذا الشاب قد أخطأ، فالمجتمع لا يملك حق إذلاله.
ومهما بلغت درجة الغضب، لا يملك أحد أن يفرض عقوبة مهينة خارج القانون، أو أن ينتزع كرامة إنسان باسم التربية أو الردع.
نحن لسنا في غابة.
ونحن لسنا في ساحة انتقام.
نحن في دولة يفترض أن يحكمها القانون، ويحميها العرف، وتصونها الأصول.
ما جرى لم يكن عقابًا…
كان تشهيرًا.
وكان كسر خاطر.
وكان رسالة قاسية تقول للناس إن الإهانة أصبحت وسيلة مقبولة للضبط الاجتماعي.
والمأساة لا تتوقف عند حدود الشاب وحده.
فهل فكّر أحد في أمه؟
في إخوته؟
في أسرته؟
في سمعته داخل مجتمع لا ينسى بسهولة ولا يرحم طويلًا؟
لماذا نختار دائمًا الطريق الأسهل؟
طريق الفضيحة بدل المحاسبة،
وطريق التشهير بدل الإصلاح،
وطريق كسر الإنسان بدل تقويم الخطأ؟
الأخطر من الواقعة، هو أثرها الممتد.
فالطفل الذي شاهد المشهد، والمراهق الذي تداوله على هاتفه، والشاب الذي ضحك عليه، يتلقون رسالة واحدة:
أن القسوة بطولة،
وأن الإذلال رجولة،
وأن كسر الخاطر قوة.
ومن هنا تبدأ الكارثة الحقيقية.
فإذا استمر هذا الصمت، فغدًا ستتضاعف الجرائم، وستتكرر هذه النوعية من القضايا بصورة أوسع وأخطر، وسيكبر كل شاب وهو يرى أن «أخذ الحق بالدراع» هو الطريق الطبيعي، وأن القوة لا تحتاج إلى قانون ولا إلى قاضٍ.
وحينها لن نكون أمام وقائع فردية، بل أمام ثقافة عامة تشرعن البلطجة وتحول الشارع إلى ساحة تصفية حسابات.
ومن هنا، فإن مسؤولية الدولة لم تعد خيارًا، بل ضرورة عاجلة؛ فلا يجوز الصمت على هؤلاء البلطجية، ولا تركهم يصنعون نموذجًا بديلًا للعدالة قائمًا على الإهانة والعنف وكسر الإنسان.
لكن المسؤولية لا تقع على عاتق الدولة وحدها.
المجتمع شريك كامل في المشهد.
فصمت الناس هو التربة التي تنمو فيها البلطجة،
وتبرير الخطأ هو الغطاء الذي يحمي المعتدي،
والفرجة على الإهانة هي أخطر أشكال المشاركة.
على الشعب أن يتحد، وأن يعلنها صريحة:
لا لهذا السلوك الغوغائي.
لا للإذلال.
لا لعقاب يجرّد الإنسان من كرامته.
فهذا لا يليق بأصولنا، ولا بقيمنا المصرية، ولا بتاريخ مجتمع عُرف بالجدعنة والستر وحفظ العِشرة.
الخاتمة الصحفية
البلطجة لم تعد تصرّفًا فرديًا، بل خطرًا اجتماعيًا يتغذّى على الصمت، ويكبر بالتبرير، ويترسّخ حين تتحوّل الإهانة إلى عرضٍ جماهيري.
القضية لم تعد قضية شاب أُذلّ…
بل قضية مجتمع يختبر ضميره أمام كل مشهد كسر علني للإنسان.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يتصدّر الرأي العام اليوم:
لماذا هذا الصمت؟
ولماذا أصبح الشارع يتفرّج أكثر مما يتحرّك، ويصمت أكثر مما يحتج؟
لماذا، يا شعب، صرنا نرى الإهانة ولا نرفضها، ونشاهد البلطجة ولا نواجهها؟
فالصمت هنا لم يعد حيادًا…
بل صار موقفًا يصنع الجريمه القادمه .












الأمن يكشف ملابسات ادعاء تعرض سيدة وابنتها للاعتداء بسبب نزاع على قطعة...
نتيجة معاينة سيارة المتهمة بدهس عامل بمدينة نصر
بلاغ للنائب العام يتهم حساب ”M3Z” بتمويل خلايا إخوانية ونشر الفتنة
النيابة تصرح بدفن جثة عامل نظافة شنق نفسه بالعياط
أسعار الذهب اليوم الجمعة.. عيار 21 يقفز 40 جنيهًا
ارتفاع أسعار الذهب في مصر اليوم.. عيار 21 يسجل 7200 جنيه الجمعة...
الدولار ينخفض 5 قروش أمام الجنيه داخل البنك الأهلي المصري بالتعاملات الصباحية
أسعار الذهب في مصر في بداية تعاملات اليوم الأحد 25 يناير 2026