الثلاثاء 31 مارس 2026 01:36 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

سماح عزام تكتب: أين تسكن الغُربة ؟

الكاتبة الكبيرة سماح عزام
الكاتبة الكبيرة سماح عزام

تفتح الغُربة أبوابها حين يضيق الاتساع في الصدر، ويضيع المعنى بين ما نراه وما نشعر به، فتغدو النفس كأنها مدينة قديمة هجرها أهلها، وبقيت جدرانها شاهدة على حكاياتٍ لا يقرؤها أحد، في تلك اللحظة يبدأ السؤال في التشكّل: أين تسكن الغُربة؟ أفي الطرقات البعيدة، أم في القلوب القريبة؟ أفي صمت البيوت، أم في ضجيج المجالس؟
تميل الغُربة إلى الإقامة حيث تقلّ الألفة وتغيب الطمأنينة، فتجد لها مأوى في قلبٍ لم يجد من يُصغي لنبضه، وفي روحٍ أنهكها التأويل الخاطئ، فتعبت من شرح نفسها، واعتزلت الحديث، كأنها طائرٌ فقد سماءه، فاكتفى بالتحليق داخل قفصٍ من صمتٍ طويل، لا يُرى فيه إلا انعكاس الحنين، ولا يُسمع فيه إلا صدى الشوق.
وتتخذ الغُربة من العيون مسكنًا حين تتعلّم الدموع فنَّ التراجع، فلا تنهمر، بل تستقر في الأعماق، تُثقل الرؤية، وتُربك الإحساس، فيغدو البصر حاضرًا، والقلب غائبًا، كأن بينهما حجابًا من تعبٍ قديم، لا ينكشف إلا بلمسة فهمٍ صادقة، أو كلمةٍ صافية، تُعيد ترتيب الفوضى في الداخل.
وفي العلاقات، تتسلل الغُربة في ثنايا الكلمات غير المكتملة، وفي المسافات التي لا تُقاس بالأمتار، بل تُقاس بقدر ما ضاع من دفء، وما انطفأ من اهتمام، حين يصبح اللقاء واجبًا لا شوقًا، ويغدو الحديث أداءً لا حضورًا، تسكن الغُربة بين حرفٍ لم يُقل، ومعنى لم يُفهم، ونظرةٍ عبرت دون أن تجد من يلتقطها.
وقد تُقيم الغُربة في الفكر، حين تتباعد الرؤى، وتختلف المقاييس، فيشعر الإنسان أنه يتحدث لغة لا يتقنها من حوله، أو يرى ما لا يُرى، فيتوارى خلف صمته، لا عجزًا، بل حفاظًا على ما تبقّى من انسجامٍ داخلي، كأنما الصمت عنده ضربٌ من الحكمة، أو نجاةٌ من سوء الفهم.
وفي النفس، تسكن الغُربة حين تتراكم التنازلات، وتتباعد المسافة بين ما نريده وما نعيشه، فتتشقق الروح بين واقعٍ مفروض، وحلمٍ مؤجل، وتبدأ الأسئلة في الدوران: أين أنا من نفسي؟ وكيف فقدتُ ذلك الصفاء الذي كان يملأ أيامي؟ هناك، في تلك المسافة الخفية، تنمو الغُربة بهدوء، حتى تصبح جزءًا من الإحساس اليومي، لا تُرى، لكنها تُحسّ.
وللغُربة وجهٌ آخر، أكثر رهافة، تسكن فيه حين يعلو الوعي، وتتسع الرؤية، فيدرك الإنسان ما لا يدركه كثيرون، فيشعر أنه يقف على حافة المعنى، ينظر إلى العالم بعينٍ تبحث عن الجوهر، لا عن المظاهر، فيبتعد، لا تكبّرًا، بل توقًا إلى عمقٍ يليق بروحه، كأن الغُربة هنا اختيارٌ نبيل، لا قيدٌ مفروض.
وتلوح الغُربة في أبهى صورها حين تتحول إلى معبرٍ نحو الذات، فتدفع الإنسان إلى التأمل، وإعادة ترتيب أولوياته، واكتشاف ما يستحق أن يُحفظ وما ينبغي أن يُترك، فيغدو الألم معلمًا، والصمت مرآة، والوحدة مساحةً للنضج، كأن الغُربة، في جوهرها، ليست فقدًا، بل إعادة تشكّلٍ في هيئةٍ أصدق.
وهكذا، تتوزع الغُربة بين القلب والعين والفكر والعلاقات، لكنها لا تستقر إلا في مكانٍ واحد: حيث يغيب التلاقي الحقيقي بين الإنسان ونفسه، أو بينه وبين من حوله، فإذا حضر الفهم، وعاد الصدق، وانبعث الدفء من جديد، رحلت الغُربة من حيث جاءت، تاركةً خلفها أثرًا من حكمة، ودرسًا لا يُنسى: أن السكن الحقيقي ليس مكانًا، بل شعورٌ بالانتماء، وأن الوطن الأعمق هو ذلك الذي نجده داخلنا، حين نكون كما نريد، ونُحب كما ينبغي، ونُفهَم كما نحن.

سماح عزام مقالات سماح عزام أين تسكن الغُربة الجارديان المصريه