ضاحى عمار يكتب : حين تتحول الشقيقة إلى عبء استراتيجى
لم تكن مصر يومًا دولة عابرة في محيطها العربي، بل شكلت على امتداد تاريخها الحديث ركيزة أساسية في بناء الدولة الوطنية العربية، وسندًا حقيقيًا لحركات التحرر والاستقلال، ورافعةً للتعليم والإدارة والأمن في عدد من الدول التي كانت تخطو خطواتها الأولى نحو تأسيس مؤسساتها. غير أن قراءة متأنية لمسار العلاقات العربية تكشف مفارقة لافتة، حيث لم تُقابل هذه الأدوار دائمًا بما يوازيها من التقدير أو حتى الحياد، بل اصطدمت في أحيان كثيرة بمواقف وسلوكيات أضرت بالمصالح المصرية بشكل مباشر.
في منتصف القرن العشرين، وبينما كانت مصر تخوض معركة السيادة الوطنية وتتصدى للعدوان الثلاثي، لم تكن كل الساحات العربية على قلب رجل واحد. فقد خرجت طائرات العدوان من أراضٍ عربية، في مشهد يعكس تعقيدات السياسة الإقليمية آنذاك، حيث اختلطت الحسابات الضيقة بالتوازنات الدولية. ولم يكن ذلك الحدث استثناءً، بل تكرر النمط ذاته في محطات أخرى، حين قُدمت تسهيلات أو أدوار غير مباشرة لقوى دولية استهدفت إضعاف المشروع القومي المصري في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.
ورغم أن القاهرة لم تتوقف عن دعم أشقائها، بإرسال المعلمين والأطباء والمهندسين، والمساهمة في تأسيس أجهزة الدولة الحديثة، من جيوش وشرطة ومؤسسات أمنية، فإن بعض تلك الدول لم تتردد في اتخاذ مواقف مناقضة لهذا الدور. بل إن بعض السياسات ساهمت في نشر تيارات فكرية متشددة داخل المنطقة، تركت آثارًا عميقة على البنية الاجتماعية والفكرية، وامتدت تداعياتها إلى الأمن القومي في أكثر من دولة.
وفي سياق الصراعات الإقليمية، تبرز وقائع أخرى تعكس حجم التباين في المواقف. من تسريب معلومات حساسة خلال مراحل دقيقة من الصراع العربي الإسرائيلي، إلى احتجاز عناصر نفذت عمليات نوعية ضد العدو، وصولًا إلى توفير قواعد أو تسهيلات عسكرية استخدمت في ضرب أهداف مصرية خلال حرب يونيو 1967. وهي أحداث، وإن اختلفت تفاصيلها، إلا أنها تشترك في دلالة واحدة: غياب الحد الأدنى من التنسيق أو التضامن في لحظات مفصلية.
ومع تطور المشهد في العقود الأخيرة، اتخذت تلك السياسات أشكالًا أكثر تعقيدًا، حيث برزت أدوار لبعض الدول في دعم جماعات مسلحة أو تنظيمات متطرفة في عدد من بؤر الصراع العربي، من سوريا إلى ليبيا واليمن، وهو ما انعكس بشكل مباشر على استقرار المنطقة ككل، وعلى الأمن القومي المصري بشكل خاص. كما ظهرت تدخلات في ملفات حساسة، مثل دعم مشروعات مائية تهدد الأمن المائي لمصر، أو الانخراط في ترتيبات إقليمية تتعارض مع المصالح الاستراتيجية للقاهرة.
ولم تقتصر الضغوط على الجوانب الأمنية والسياسية، بل امتدت إلى الاقتصاد، حيث تحولت بعض أشكال الدعم المالي إلى أدوات ضغط، من خلال ودائع مشروطة أو سياسات اقتصادية تفتقر إلى روح الشراكة الحقيقية. بل إن الأمر وصل في بعض الحالات إلى محاولات التأثير على علاقات مصر بدول الجوار، كما حدث في الملف الليبي، أو الساحة الإفريقية، بما يحمله ذلك من انعكاسات على الأمن القومي.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن مصر ظلت، رغم كل هذه التحديات، متمسكة بنهج الدولة الوطنية التي تضع مصالحها العليا فوق أي اعتبارات، دون أن تنزلق إلى سياسات انتقامية أو مواقف انفعالية. فقد واصلت دورها الإقليمي، وسعت إلى الحفاظ على قدر من التوازن في علاقاتها، إدراكًا منها لتعقيدات الواقع العربي وتشابك المصالح.
إن استدعاء هذه الوقائع لا يهدف إلى إثارة الخلاف أو تغذية الانقسام، بقدر ما يسعى إلى طرح تساؤل مشروع حول طبيعة مفهوم “الأخوة” في العلاقات الدولية، وحدودها حين تتعارض مع المصالح. فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على الشعارات، بل على التوازن والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام العالم العربي هو الانتقال من مرحلة الشعارات إلى مرحلة الفعل، ومن منطق التنافس والصراعات البينية إلى منطق التكامل والتنسيق. فالتاريخ أثبت أن إضعاف أي دولة عربية، وفي مقدمتها مصر، لا ينعكس إلا سلبًا على استقرار المنطقة بأسرها.
وفي النهاية، فإن مصر التي قدمت الكثير لأمتها، لا تزال قادرة على حماية مصالحها وصياغة مستقبلها، مستندة إلى تاريخها وثقلها، وإلى وعي شعبها بحقائق الجغرافيا والسياسة، بعيدًا عن أوهام الشعارات، وقريبًا من منطق الدولة ومصالحها العليا.












بدء محاكمة المتسبب فى وفاة الطفلة رقية
القبض على سيدة هاربة من تنفيذ 112 سنة سجن
42 مصابًا في انقلاب أتوبيس على طريق «قنا - سوهاج» الصحراوي
مصرع شخصين وإصابة 4 في انهيار عقار بـالجمالية في القاهرة
تعرف على أسعار الدواجن والبيض اليوم الجمعة 10 - 4 - 2026
سعر الذهب اليوم الثلاثاء 7 إبريل 2026 في الصاغة
ارتفاع سعر الدولار في بداية تعاملات الإثنين..
سعر الذهب اليوم في مصر الجمعة 3-4-2026 للبيع والشراء