الأربعاء 15 أبريل 2026 10:15 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب : تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (3)

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

في عام 1945 من القرن الماضى أنشئت الأمم المتحدة ، وتعّهد المجتمع الدولى على عدة قضايا هامة ، ومنها احترام المعاهدات بين الدول ، بل ويلزمهم بحفظ

السلم ، والأمن الدوليين ، وحظّر الدول المعتدية على استخدام القوة .. وهذا شيء
رائع للغاية ، بل هو علامة من علامات التحضر ، والتقدم ، وخاصة ، ونحن في
القرن الحادى والعشرين ، ومن لم يرض بذلك ، فتأكد أنه شخص به خلل عقلى ،أو جنون فكرى ! بل ربما أنه يعانى من تبلّد في المشاعر ، وسقم في
الأخلاق .. فالإنسان السّوىّ هو من يتمنى أن ينبت السلام في نفوس كل شخص
من الناس ، كما ينبت النبات من الأرض ، ويأمل أن يسود السلام ، والأمن بين
الدول ،والمجتمعات ، والأفراد ! كما تسود الشمس بآشعتها ، ونورها على كل
بقعة من بقاع الأرض .ولكن الواقع مرّ كمرارة العلقم ، فإن بعض الدول التي وقّعت بأيديهم على هذا القانون ، مدّعين التحضر ، والتقدم ، قد ركلوه بأرجلهم كما تركل كرة القدم
خارج الملعب ،كما أنه أصبح حبرا على ورق ، واستبدلوه بقانون آخر ، وهو
قانون الغاب ! فيقومون بالاعتداء على من هم أضعف منهم من الدول
مستقوين بما لديهم من قوة ، وعتاد ، ومنعة ، كأنهم يقولون بلسان حالهم : اعملوا لدنياكم كأنكم تعيشون أبدا ، واعملوا لآخرتكم كأنما تموتون غدا ! وما أشبه اليوم بالبارحة ، فقد كانت القبائل العربية القوية في العصر الجاهلى قبل الإسلام تغير على القبائل الضعيفة لتأخذ خيراتها ، وكلأها ، ومياهها ! ولما بزغ نور الإسلام منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام ، ألقى قانون الغاب
في غيابات الماضي ، وكبّر عليه أربع تكبيرات ، وجعل الوفاء بالعهد أشمل
، وأعمق مما اتفقوا عليه ، في الأمم المتحدة .. حيث يبدأ هذا الوفاء بالوفاء
بالعهد مع الله الخالق ، وذلك من أجلها ، وأعظمها وفاء ، ثم نزولا بالوفاء مع الدول فيما بينها ، ثم الوفاء للدولة التي يعيش فيها ، أي موطنه ، ثم الوفاء بين المجتمعات ، ثم الأفراد ، بل أن الله الخالق رقيب بنفسه على تنفيذ هذه
المواثيق ، والعهود من عدمها ، لأن الهدف من ذلك ليسود السلم ، والأمن ،
والأمان بين الناس ، حتى يستشرى إلى المجتمع ، حتى يصل إلى العالم بأسره ..
ولذا حث ديننا الحنيف عليه ، يقول تعالى"وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم" وكره الله الخائنين للعهود ، فقال "إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِين" كما أعدّ الرسول ﷺ كل من يخون بالعهد بأن به خصلة من خصال النفاق ، فقال ﷺ "أربَعٌ مَن كُنَّ فيه كان مُنافِقا خالِصا ، ومَن كانَت فيه خَصلةٌ منهنَّ كانَت فيه خَصلةٌ مِنَ النِّفاقِ حتَّى يَدَعَها" وذكر منها " إذا عاهَدَ غَدَر"
ولذلك كان المسلمون الأوائل ألزم بهذا المنهج القيّم ، ولم يستغلوا قوتهم ، ولا
منعتهم للاعتداء على غيرهم .. ويتجلّى ذلك في كثير من المواقف ، فمنها مثلا ، عندما كانت مكة يسكنها غير المسلمين ، وقد كانوا ينعمون بالأمن على أنفسهم وذراريهم ، وأموالهم ، فأنزل الله على رسوله ﷺ آيات قرآنية بها تعليمات
بألا يسكن مكة سوى المسلمين فقط حتى تكون ملاذا آمنا ، للعبادة ، ولا سيما
فريضة الحج التي تؤدى فيها ، وحتى تخلو ممن يضمرون الشر ، ويحيكون
المؤامرات بليل بين الحين والآخر ، وقد تم تنفيذ تلك التعليمات بأسلوب
حضارى للغاية ، ولم يكن ذلك بأسلوب عشوائى متخلف خال من الخلق القويم ،فقد أعطى لهم الرسول ﷺ مدة كافية وصلت إلى أربعة أشهر كى يجدوا مكانا آخر
يقيمون فيه ، يقول تعالى "فَسِيحُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُر وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ
مُعۡجِزِي ٱللَّهِ" واسثتنى الله هذه المدة للبعض منهم ، وهم الذين لديهم معاهدات مع الرسول ﷺ فإنه يتعين أن يتمم لهم عهده معهم ، بشرط إذا لم يظهر منهم أية
خيانة ، أو مؤامرة ، يقول تعالى"إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ
شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِين" وهذا نموذج من النماذج الأخلاقية التي تم استنباطها من قول الله تعالى "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم" فما أروع هذا الخلق ! وما أجمل أن يسود السلام ، والأمن ، والأمان على العالم أجمع !
فذلكم هو قمة التحضر ، وذلكم هو الإسلام فى أبهى صوره .

زكريا سليمان تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (3) الجارديان المصريه