الخميس 16 أبريل 2026 12:41 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. محمد هناء الدين يكتب : دون كيشوت فارس الأحلام في عالم الواقع القاسي

الكاتب الكبير دد. محمد هناء الدين
الكاتب الكبير دد. محمد هناء الدين

في أوائل القرن السابع عشر، كتب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس رواية غيرت مجرى الأدب العالمي إلى الأبد. الرواية تحمل اسم "دون كيشوت دي لا مانتشا"، وتُعتبر أول رواية حديثة حقيقية. بطلها رجل في منتصف العمر يدعى ألونسو كيخانو، نبيل فقير من إقليم لا مانتشا، أغرق نفسه في قراءة قصص الفروسية والمغامرات البطولية حتى فقد صوابه. قرر أن يصبح فارساً جوالاً يدافع عن العدل، ينقذ المظلومين، ويحيي عصر الشرف والنبل الذي انقرض.
سمى نفسه دون كيشوت، حوّل حصاناً هزيلاً إلى "روسينانتي" الجواد الأسطوري، واتخذ فلاحاً بسيطاً يدعى سانشو بانثا كتابع له. أما حبيبته، فكانت فتاة ريفية عادية حوّلها خياله إلى الأميرة الجميلة "دولسينيا دل توبوسو". في عينيه، كانت طواحين الهواء عمالقة شريرة يجب مقاتلتها، والقطعان خرافاً مسحورة، والنزل قلاعاً ملكية.
الرواية ساخرة ولطيفة في الوقت نفسه. ثيربانتس يضحك من بطله، لكنه لا يحتقره. دون كيشوت يتعرض للضرب والإهانة مراراً، يعود خائباً، ثم ينهض مرة أخرى. ومع كل مغامرة فاشلة، يظل يؤمن أن العالم يمكن أن يكون أفضل إذا ما عاش الناس بمبادئ الفروسية: الشجاعة، الكرم، الدفاع عن الضعيف.
إسقاط دون كيشوت على واقعنا اليوم
اليوم، بعد أكثر من أربعمائة عام، تبدو شخصية دون كيشوت أقرب إلينا مما نتصور. نحن نعيش في عصر مليء بالطواحين الهواء الحديثة:
الطواحين الرقمية: كثيرون يقاتلون "عمالقة" وهمية على وسائل التواصل الاجتماعي. يدافعون عن قضايا نبيلة بكلمات حارة، يهاجمون "الظلم" بمنشورات، لكنهم في الواقع يصطدمون بجدران افتراضية لا تتغير. يخرجون من كل "معركة" مكسورين، ثم يعودون ليحملوا سيوفهم الرقمية من جديد.
الأحلام الكبيرة مقابل الواقع القاسي: كم شاباً أو شابة بدأ مشروعاً أو فكرة "ثورية" بإيمان مطلق، ثم اصطدم بالبيروقراطية، نقص الموارد، أو عدم فهم المجتمع؟ هذا هو دون كيشوت في زمننا. يرى في مشروعه قصراً، بينما يراه الآخرون مجرد كوخ مهترئ.
سانشو بانثا الواقعي: في كل قصة نجاح حقيقية، نجد "سانشو" بجانب "دون كيشوت". شخص عملي، يرى الطواحين كما هي، يحسب التكاليف، ينصح بالحذر، لكنه يظل يتبع الحالم لأنه يؤمن بقلبه النقي. التوازن بين الحلم والواقع هو سر التقدم الحقيقي. الإفراط في الواقعية يؤدي إلى اليأس والركود، والإفراط في الحلم يؤدي إلى الجنون والفشل المتكرر.
في مجتمعاتنا العربية، نرى دون كيشوت في كل من يحلم بتغيير جذري: الثورات التي بدأت بأحلام عدالة وكرامة، ثم اصطدمت بواقع معقد. نراه في المبتكر الذي يخترع شيئاً مذهلاً لكنه يفشل في التسويق. نراه في الشاب الذي يرفض "الوظيفة الآمنة" ليطارد حلمه، فيواجه سخرية الأهل والأصدقاء.
الدرس الأعمق
ثيربانتس لم يقل لنا أن نكون واقعيين تماماً، ولا أن نكون حالمين مجانين. قال لنا إن الجنون الجميل جزء من الإنسانية. دون كيشوت في النهاية يعود إلى عقله، يستعيد اسمه ألونسو كيخانو، ويموت حزيناً. لكن الرواية لا تموت معه. الإرث الذي تركه هو أن الأحلام، حتى لو بدت سخيفة، تدفع العالم للأمام.
في عالم اليوم المادي، حيث يُقاس كل شيء بالأرقام والنتائج، نحتاج إلى جرعة من دون كيشوت: الشجاعة على أن نرى طواحين الهواء كعمالقة تستحق المعركة. لكننا نحتاج أيضاً إلى سانسو بانثا: الذكاء الذي يساعدنا على الفوز في المعارك التي تستحق.
في النهاية، السؤال الذي تطرحه الرواية علينا اليوم:
هل أنت مستعد أن تكون دون كيشوت في عالم يضحك من الطواحين؟
أم ستكتفي بأن تكون متفرجاً يشاهد الآخرين يقاتلون ويسقطون؟
الإجابة تكمن في قدرتنا على الجمع بين الحلم والواقع.. بين السيف والحساب.. بين القلب والعقل.
هل جربت يوماً أن تقاتل طاحونة هواء في حياتك؟

د. محمد هناء الدين دون كيشوت فارس الأحلام في عالم الواقع القاسي الجارديان المصريه