السبت 16 مايو 2026 08:38 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الحسين عبدالرازق يكتب : ترامب في الصين!

الكاتب الكبير الحسين عبدالرازق
الكاتب الكبير الحسين عبدالرازق

في السياسة الدولية، هناك صور لا تمر مروراً عادياً أو لقطات اعتيادية؛ فقد تحوي رسائل مكتوبة يراها العالم كله ويظنها البعض أعجوبة.
صورة ترامب في بكين وسط احتفاء الصينيين ليست مجرد صورة لزيارة دبلوماسية عابرة، بل إعلان واضح وصريح بأن العالم دخل مرحلة جديدة تُراجع فيها القوى الكبرى حسابات الربح والخسارة، وتُعاد فيها صياغة خرائط النفوذ والمصالح.
لسنوات ليست قليلة، قدّم ترامب الصين باعتبارها الخصم الاقتصادي الأول للولايات المتحدة، بل واتهمها بسرقة الصناعة الأمريكية والتلاعب بالتجارة العالمية، فما الذي تغيّر؟ أو ما الذي سيتغيّر؟
الزيارة جاءت في وقت بالغ الحساسية؛ اقتصاد عالمي يترنّح، أزمات وقود وطاقة، تضخم عالمي، وشرق أوسط يقف على حافة الانفجار بسبب التصعيد مع إيران، وتايوان تتحول تدريجياً إلى نقطة اشتعال محتملة بين واشنطن وبكين، بينما ترامب في الصين!
داخلياً في أمريكا، تبدو الزيارة وكأنها محاولة “ترامبية” لكسب المزيد من الشعبية عبر تقديم نفسه باعتباره رجل الصفقات والمفاوضات القادر على الجلوس حتى مع الخصوم.
المواطن الأمريكي العادي لم يعد يهتم كثيراً بالشعارات الأيديولوجية بقدر اهتمامه بأسعار السلع والطاقة وفرص العمل والاستقرار الاقتصادي. هذا يدركه ترامب جيداً ويعيه، ويحاول الاجتهاد فيه، ومن هنا فإن فتح قنوات التفاهم مع الصين قد يمنحه ورقة انتخابية مهمة، خصوصاً إذا نجح في تخفيف التوترات الاقتصادية أو منع انزلاق العالم إلى مواجهة واسعة يتأثر بها الأمريكيون كمواطنين.
التناقض السياسي لهذه الزيارة لا يمكن إغفاله. وربما يكون هو ما دفعنا لاختيار عنوان المقال “ترامب في الصين”، فلم يكن عنواناً خبرياً بقدر ما هو استفهامي.
الرجل الذي صعد شعبياً على خطاب المواجهة مع بكين هو نفسه من نراه يجلس مع رئيس الصين.
ربما كان مضطراً من أجل التفاوض والتفاهم، وربما يكشف هذا طبيعة السياسة الأمريكية، حيث تتحرك الشعارات في اتجاه وتتحرك المصالح في اتجاه آخر.
ننتقل الآن إلى الصين، التي بدت وكأنها المستفيد المعنوي الأكبر، بل ربما الوحيد، من هذا المشهد الملتبس غير المتوقع.
بكين لم تستقبل ترامب بوصفه رئيساً لأمريكا فحسب، بل استقبلت اعترافاً أمريكياً غير مباشر بثقل الصين واستحالة تجاوزها أو تجاهلها أو عزلها، وهذا في رأيي مهم.
الصين تدرك جيداً أن العالم قد تغيّر، وأنها لم تعد مجرد مصنع ضخم للبضائع الرخيصة، بل أصبحت قوة سياسية واقتصادية وتكنولوجية قادرة على فرض نفسها على مائدة القرار الدولي، وسبحان من له الدوام.
من هنا حرصت بكين على أن تبدو الزيارة وكأنها لقاء بين ندّين، لا بين قوة عظمى وطرف تابع، وكانت رسالتها واضحة للعالم:
أمريكا، رغم قوتها، لا تستطيع إدارة أزمات العالم أو حماية اقتصادها أو احتواء الشرق الأوسط دون الجلوس مع الصين.
تكمن المفارقة في أن الزيارة جاءت بعد سنوات من التصعيد المتبادل والحروب التجارية والاتهامات السياسية، وكأن الطرفين وصلا إلى قناعة مفادها أن الصدام الكامل بين واشنطن وبكين لم يعد رفاهية يمكن تحمّل كلفتها.
ويبقى السؤال...
هل كانت الزيارة بداية تهدئة طويلة بين العملاقين، أم مجرد هدنة مؤقتة قبل جولة صراع أكبر قادمة؟
حفظ الله مصر.

الحسين عبدالرازق ترامب فى الصين الجارديان المصريه