السبت 23 مايو 2026 06:13 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب : تجليات فريضة الحج

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

في مثل هذه الأيام المباركة من كل عام ، يحتفل المسلمين بموسم الحج ، حيث أنها أيام مباركة غير عادية بامتياز ، لتميزها عن سائر الأيام ، حيث يستفيد منها الناس بكثير
من العظات ، والفوائد ، ولم لا ؟ وهى عبارة عن ملحمة تاريخية تضرب في عبق
التاريخ ، وأعماقه بجهاته الأربعة ، ثم يمر من خلاله حتى يصل قطاره إلى محطة ذلك العصر ، ثم يستكمل مسيرته حتى يصل إلى نهاية المطاف في محطته الأخيرة ، وهو آخر يوم من هذه الدنيا الشمطاء ، ولا أعلم من أي محطة أبدأ ، ولا من أي اتجاه أتحدث ، ولكنى سأحاول جاهدا مستعينا بالله أن أوجز الكلام حتى يتضح المقال ، وسيكون الحديث منذ أوّل إنسان خلق على الأرض ، وهو سيدنا آدم عليه
، حيث هو الذى بنى الكعبة المشرّفة لتكون قبلة له ، ولذريته من بعده إلى يوم القيامة ، ليختلوا بأنفسهم مع خالقهم ، مقرّين له بألوهيته ، ووحدانيته ، وعبادته
ثم يسير قطار الأعوام ، حتى يصل إلى سيدنا إبراهيم ﷺ وزوجته هاجر حين تركها ،ورضيعها سيدنا إسماعيل في تلك الصحراء الجرداء ، فقالت له "آلله أمرك بهذا ؟" قال لها : نعم ، فقالت بثقة ثابتة ، وإيمان راسخ "إذن لن يضيعنا"
ثم تمر السنوات ، ويكبر ابنه سيدنا إسماعيل ، ثم يقومان برفع قواعد الكعبة لأنها طمست عبر عشر قرون ، وهما يدعوان ربهما بأن يتقبل منهما ذلك العمل ، وأن يكونا على الطريق السوىّ الذى يبتغيه الله لهما ، ولذريته ، وأن يبعث الله رسولا في آخر الزمان ليكون خاتما لدعوة الناس إلى منهجه المتحضر ، ويزيل
عنهم غبار الخرافات التي نسجوها بأيديهم ، وصدقوها ، وينتشلهم من عاداتهم البائدة ،وجهالاتهم الضالة التي تسكن داخل أدمغهم ، وتستريح ، وتمرح فيها ،وتستشرى في سلوكهم المعوج ، وأخلاقهم الرديئة ، واقرأ إن شئت قول الله تعالى "وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا
مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيم * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم" ويستجيب
الله لدعائهما ، فبعد مرور حوالى ألفين ، وخمسمائة عاما ، إذ يبعث الله رسولنا
محمد ﷺ ليختم به رسله ، ويكمل به منهجه النهائىّ الذى لن يأتي بعده منهج ،
وهو ﷺ بمثابة حلقة وصل بين جميع الأنبياء الذين سبقوه ، وبين جميع الناس إلى أن تسدل ستارة الدنيا معلنة نهايتها ، ويزال سرادقها ، ولذا يواصل الرسول
ﷺ دعوة الله الكريمة للبشرية كلها، ويذكر ﷺ لهم بعض الذكريات من كتاب الله لحقبة من التاريخ كى يربط منهج الله السابق باللاحق ، كى يستفيدوا منها ،
وتكون وفاء لسيدنا إبراهيم ﷺ فيقرأ ﷺ قوله تعالى "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عمِيق" ويتحقق قول الله تعالى ،
فترى الحجيج يؤدون مناسك الحج بالآلاف من أقطار العالم في كل عام ، ومن عظمة الإسلام أن أعمال الحج لا تقتصر على مناسكها فقط ، بل تشمل على
أعمال حضارية أخرى ، لأن ديننا الحنيف وسطى ، وبسيط ، لا يحتاج إلى فلسفات متفلسف، ولا إلى هرقطات متهرطق ، ولا تنظير متنظّر ، وهذا هو سرّ تميزه ، وجاذبيته للناس ، ويخفى ذلك على آخرين ، فالإسلام دين دنيا ، وآخرة ،
فهو ممسكا بتلاليبهما معا ، فمع أداء هذه الفريضة ، فيمكن للحاج أن يقوم بأعمال قيمة أخرى ، حيث يمكن أن تعقد الصفقات التجارية صغيرها ،وكبيرها كما يجوز فيها جلسات التصالح بين المتخاصمين ،ويجوز أيضا الخطبة ،وعقود
الزواج بعد التحلل من الإحرام ، وأعمال أخرى كذبح الأضاحى ، وأكلها ، وإطعام الفقراء ،والمساكين منها . مع ملازمتهم ، وتعلقهم بذكر ربهم ، لما وهبهم من نعم لا تعد ، ولا تحصى ، ولا يلتفتوا لأوثان البشر ، ولا لحجر ، ولا لأصنام او مال ، ولا لشهوات نفس ، ولا يستسلموا لآلهة صنعوها بأيديهم ، وليتجنبوا الأقوال الرديئة ، والفحش من الكلام ، ويتجنبوا شهادة الزور ، والظلم ، فإن الظلم ظلمات ، ولذا يقرأ رسول الله ﷺ على البشرية كلها ، قول الله تعالى "لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير* ثمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا
نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ
رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور" وكل عام وامتنان الإسلامية ومصرنا الحبيبة بخير .

زكريا سليمان تجليات فريضة الحج الجارديان المصريه