حسين السمنودي يكتب: من ذكريات العمر... كيف دخلتُ الأزهر؟ (1)
هناك محطات في حياة الإنسان لا يختارها بنفسه، لكنها هي التي تختاره، فتغير مسار عمره كله. وكلما عدت بذاكرتي إلى الوراء، أيقنت أن دخولي الأزهر لم يكن قرارًا خططت له، ولا حلمًا كنت أسعى إليه، وإنما كان تدبيرًا إلهيًا ساقني إليه برحمة الله ولطفه، وأنا لا أدري.
لم أكن ذلك التلميذ الخارق الذي تتحدث عنه المدرسة، ولا الأول على الفصل، بل كنت طالبًا بسيطًا، مجتهدًا على قدر استطاعتي، أحمل أحلام طفل لا يعرف من الدنيا إلا أن ينجح، ويفرح والديه.
أنهيت المرحلة الابتدائية بمدرسة فلسطين بعين شمس، القريبة من شارع أحمد عصمت. وكان الطريق بين البيت والمدرسة طويلًا، أقطعه كل صباح سيرًا على الأقدام، ثم أعود في نهاية اليوم بالطريقة نفسها. وكانت الرحلة اليومية تمر فوق فلنكات السكة الحديد الخاصة بقطار السويس، في زمن لم تكن فيه وسائل المواصلات ميسرة كما هي اليوم، ولم تكن الحياة تعرف الكثير من الرفاهية.
وكثيرًا ما كنت أغادر المنزل دون أن أتناول الإفطار، ليس ترفًا ولا اختيارًا، وإنما كانت ظروف الحياة وقتها تجعل ذلك أمرًا عاديًا في بيوت كثيرة. لكن الله كان يرسل رزقه من حيث لا أحتسب.
ففي طريقي كان يوجد معسكر للجيش، واعتاد الجنود أن يروا مجموعة من الأطفال يمرون كل صباح، فينادون علينا ويمنحوننا جزءًا من إفطارهم. قطعة جبنة نستو، أو قطعة حلاوة طحينية، وأحيانًا بيضة مسلوقة. كانت وجبة بسيطة في نظر الكثيرين، لكنها بالنسبة لنا كانت تعني الدنيا كلها. وما زلت إلى اليوم كلما تذكرت هؤلاء الجنود دعوت لهم بالخير، فقد كانوا يطعمون أطفالًا لا يعرفون أسماءهم، ابتغاء وجه الله.
وجاءت نتيجة الشهادة الابتدائية، ونجحت من الدور الأول بمجموع 178 درجة. كان البيت يومها مليئًا بالفرحة، وشعرت أنني حققت إنجازًا كبيرًا، لكن تلك الفرحة لم تدم طويلًا.
فقد كانت درجة القبول بالمرحلة الإعدادية العامة في ذلك العام - وكان عام 1977 - تزيد على 210 درجات، وأدركنا أن مجموعي لن يؤهلني لدخول المدرسة التي كنت أحلم بها.
أخذ والدي - رحمه الله - ملف التقديم، وتوجه إلى منطقة بركة الحاج ليقدمني في مدرسة الشيخ غريب الإعدادية، معتقدًا أنها ستكون محطتي التالية. لكن الله سبحانه كان قد كتب لي طريقًا آخر تمامًا.
وبينما كان والدي يبحث عن المدرسة، دخل بالخطأ إلى معهد المتبولي الأزهري، الذي كان قد افتُتح حديثًا، وكانت تلك أول سنة دراسية له.وقد أصدر فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود رحمه الله قرارا بدخول طلاب التربية والتعليم الذين نجحوا في الإبتدائية يدخلون الازهر الشريف في المرحلة الإعدادية وهذا كان ممنوعا قبل ذلك .
وهناك التقى أبي رحمه الله. بعميد المعهد، فضيلة الشيخ عبد العزيز يونس - رحمه الله -، وكانت بينهما معرفة سابقة. رحب به الشيخ، وأخذ ملفي، ثم قال لوالدي: "أحضره إلى كتاب الشيخ حسن جلال، وليبدأ في حفظ القرآن استعدادًا لامتحان الأزهر."
خرج والدي من عنده، وقد تغيرت الخطة كلها في دقائق معدودة. ومن يومها بدأت رحلة جديدة لم أكن أتوقعها.
ثلاثة أشهر كاملة قضيتها في كتاب الشيخ حسن جلال، أحفظ القرآن الكريم صباحًا ومساءً، وأراجع ما أحفظه بكل ما أملك من جهد، استعدادًا لامتحان القبول.
ثم جاء اليوم المنتظر.
دخلنا لجنة الامتحان، وكنا أكثر من أربعين طالبًا. جلس كل منا في مكانه، واستلمنا ورقة الأسئلة وورقة الإجابة.
كنت أجيد القراءة والكتابة، ولم تكن لدي أي مشكلة فيهما، لكنني عندما نظرت إلى الأسئلة شعرت وكأنني أقرأ لغة لا أفهمها. لم يكن ما حفظته هو ما جاء في الامتحان، ولم أكن وحدي في ذلك، بل كان معظم زملائي في الحالة نفسها.
ساد الصمت، وارتسمت الحيرة على الوجوه.
وفجأة دخل أحد المدرسين، وكان اسمه يبدأ بحرفي (ع. ي)، ونظر إلينا ثم قال بهدوء: "اكتبوا ما سأكتبه على السبورة."
بدأ يكتب الإجابات سطرًا بعد سطر، وكلمة بعد كلمة، ونحن ننقلها كما هي إلى أوراق الإجابة. وتكرر المشهد في أكثر من امتحان، حتى انتهت اختبارات القبول.
ثم جاء أول يوم دراسي في حياتي الأزهرية.
دخلنا المعهد، وأثناء سيرنا في الفناء فوجئت بعظام بشرية متناثرة على الأرض، حتى إننا كنا نسير فوق بعضها دون قصد.
شعرت بالخوف، وذهبت مسرعًا إلى أحد المدرسين وسألته: – يا أستاذ... ما هذه العظام؟
ابتسم في هدوء وقال: – يا بني... المعهد بُني فوق أرض كانت مقابر قديمة، فمن يجد عظامًا فليجمعها أو يدفنها في مكان مناسب.
تجمدت الكلمات في حلقي، وشعرت برهبة لم أعرفها من قبل. كان الأمر أكبر من عقل طفل صغير، يتساءل في نفسه: كيف يمكن أن تُقام مدرسة فوق مقابر؟
لكن الحياة لا تنتظر طويلًا.
اصطففنا في طابور الصباح لأول مرة، ووقف عميد المعهد، الشيخ عبد العزيز يونس - رحمه الله -، ليلقي كلمته.
ثم قال عبارته التي ما زالت ترن في أذني حتى اليوم:
"من يسمع اسمه فليخرج... ومن لا يسمع اسمه فهو ناجح."
بدأ ينادي أسماء عدد قليل من الطلاب، لا يزيدون على خمسة تقريبًا. خرجوا من الصفوف في هدوء، وكان معظمهم يرتدي الجلابيب والشباشب البلاستيكية، بينما ظل الباقون في أماكنهم.
عندها فقط أدركت أنني أصبحت طالبًا أزهريًا.
لم أكن أعلم وقتها أن ذلك اليوم سيكون بداية رحلة ستصنع جزءًا كبيرًا من شخصيتي، وستفتح أمامي أبوابًا لم أكن أتخيلها، وأن الخطأ الذي جعل والدي يدخل معهد المتبولي بدلًا من مدرسة الشيخ غريب، لم يكن خطأً أبدًا، بل كان قدرًا جميلًا كتبه الله لي منذ البداية.
ومع مرور السنوات أدركت أن الأزهر الشريف لم يكن مجرد معهد التحقت به بعد ضياع حلم الإعدادية العامة، بل كان أعظم هدية ساقها الله إليّ دون أن أشعر. ففي رحابه تعلمت أن العلم لا ينفصل عن الأخلاق، وأن الدين الصحيح يبني الإنسان ولا يهدمه، ويجمع القلوب ولا يفرقها، ويغرس الرحمة قبل الأحكام.
لقد كان الأزهر، عبر أكثر من ألف عام، منارةً للعلم والوسطية، وحصنًا يحمي الأمة من الغلو والتطرف، ويُخرج في كل جيل علماء يحملون رسالة الإسلام السمحة إلى الدنيا كلها. ولم يكن يومًا مجرد مؤسسة تعليمية تمنح الشهادات، بل كان مصنعًا للعقول، ومدرسةً لتربية النفوس، وبناء الضمائر، وصناعة الرجال.
وفي أروقته تربت أجيال كاملة على حب الله ورسوله، واحترام الإنسان، والانتماء للوطن، والإيمان بأن الاختلاف لا يفسد للمودة قضية، وأن الكلمة الطيبة قد تبني أوطانًا، بينما الكلمة الخبيثة قد تهدم مجتمعات بأكملها.
واليوم، وبعد رحلة عمر طويلة، أحمد الله أن اختار لي هذا الطريق. فما حسبناه يومًا مصادفة، كان في الحقيقة تدبيرًا من الله، وما ظنناه تغييرًا لمسار حياتي، كان بداية الطريق الحقيقي الذي منحني العلم، وصقل شخصيتي، وفتح أمامي آفاقًا لم أكن أتخيلها.
وسيظل الأزهر الشريف، بإذن الله، قلعةً شامخة للعلم، ومنارةً للاعتدال، وحارسًا للهوية المصرية والإسلامية، يخرّج العلماء والدعاة والمفكرين، ويواصل رسالته الخالدة في بناء الأجيال، وترسيخ قيم الوسطية، وحب الوطن، واحترام الإنسان.
أما هذه، فلم تكن سوى بداية الحكاية... وما زالت في الذاكرة صفحات كثيرة، ومواقف لا تُنسى، سأرويها تباعًا في حلقات قادمة، لعلها تكون شهادةً صادقة على زمن جميل، ورجال عظام، وأيامٍ لن تعود.












مصرع نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية في حادث انقلاب سيارة على محور...
الداخلية تكشف تفاصيل سرقة شقة حبيب العادلي
بلاغ من الفنانة نرمين الفقي تتهم خادمة أفريقية بسرقة قطعة ذهبية
الإفراج عن 1834 نزيلا من مراكز الإصلاح احتفالا بذكرى 30 يونيو
سعر الذهب في محلات الصاغة اليوم الخميس 2 يوليو 2026
سعر الدولار اليوم الأربعاء 1 يوليو 2026 مقابل الجنيه المصري
أسعار الذهب في مصر اليوم السبت 27 يونيو 2026
إرتفاع أسعار الذهب اليوم الجمعة 26-6-2026 فى محلات الصاغة