الإثنين 6 يوليو 2026 04:10 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

محمد الشافعي يكتب : مسرح العبث العالمي: سيناريوهات ”الحروب الوهمية” وصفقات الدم خلف الستار

الكاتب والمحلل السياسي محمد الشافعى
الكاتب والمحلل السياسي محمد الشافعى

شهد العالم في الحقبة التي تلت أحداث ما عُرف بـ "الربيع العربي" تحولاً جذرياً في استراتيجيات إدارة الصراعات الدولية. لم نعد أمام حروب تقليدية يسعى فيها طرف لسحق آخر من أجل قضية وجودية، بل إن القراءة المتأنية للمشهد العالمي الراهن تُشير إلى الانتقال نحو ما يمكن تسميته بـ "حروب الاتفاقات" أو "السيناريوهات المحكمة".

في هذه الحقبة الجديدة، تُدار الأزمات كمسرحيات هزلية كبرى، حيث يتبادل الخصوم "الظاهريون" المنافع والمكاسب، بينما تدفع الشعوب وحدها ثمن المخرج والمنتج والممثلين.

جبهة الشرق الأقصى وأوروبا: مسرحية الطاقة والزراعة

إذا نظرنا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، نجدها نموذجاً صارخاً لهذه السيناريوهات. بعيداً عن البروباجندا الإعلامية، يسير هذا الصراع في مسار يبدو مرسوماً بدقة تضمن مصالح الكبار:

** روسيا: تستفيد كقوة عظمى عبر إعادة فرض سيطرتها، والتحكم في مفاصل أسواق الطاقة العالمية، وتعزيز نفوذها الزراعي.

** أوكرانيا (أو النخبة الحاكمة فيها): تستفيد من تدفقات الدعم المالي والفرص الزراعية البديلة، في ظل وجود رئيس مثل "فولوديمير زيلينسكي" الذي يرى فيه منتقدو هذا الطرح "الممثل البارع" المؤدي لدوره بدقة لضمان استمرار العرض.

في نهاية المطاف، تتحرك المصالح الاقتصادية للدول الكبرى (شرقاً وغرباً) في إطارها الطبيعي، وكأن الحرب مجرد غطاء لتسويات اقتصادية أعمق.

الشرق الأوسط والجنوب: حروب الاستنزاف والتفاهمات الضمنية

لا تختلف الصورة كثيراً في منطقة الشرق الأوسط، حيث تشتعل صراعات تبدو "غير طبيعية" في توقيتها ونتائجها:

** حرب غزة: تُقرأ في سياق هذه النظرية كصراع يستفيد منه المتفقون من الجانبين (اليمين الإسرائيلي وأطراف في المشهد الفلسطيني كحماس والسلطة) لترسيخ شرعيتهم والبقاء في السلطة، بغض النظر عن حجم المعاناة الإنسانية والدمار.

** الملف الإيراني ومضيق هرمز: تفجر الأزمات في الممرات المائية فجأة وبلا مبررات ميدانية حقيقية، يعقبه هدوء مفاجئ .. وهو ما يعزز فكرة وجود تفاهمات مسبقة ترفع أسعار النفط والتأمين، وتفيد جميع الأطراف "المُشعِلة" للصراع والمحاربة فيه على حد سواء.

** المشهد السوداني: صراع داخلي عبثي في الجنوب، لا يوجد فيه فائز أو مهزوم واضح، والهدف الحقيقي منه هو استمرارية الحرب ذاتها لإنهاك الدولة وتفتيت هويتها واقتصادها، تماشياً مع توزيع الأدوار العالمي.

انتقائية الجغرافيا: لماذا يهدأ العالم ويشتعل "الوسط"؟

المثير للدهشة والريبة في آن واحد هو الهندسة الجغرافية لهذه الصراعات. ففي الوقت الذي يشتعل فيه "وسط العالم" (الشرق الأوسط، وأجزاء من شرق أوروبا، وإفريقيا)، نشهد هدوءاً غريباً في ملفات كانت مشتعلة كالصومال واليمن.

بل إن العالم يكاد لا يسمع شيئاً عن أزمات حقيقية في أمريكا الجنوبية، أو صراعات في القطبين الشمالي والجنوبي، واختفت تقريباً أخبار لاجئي البحر المتوسط في الإعلام الغربي. هذا التوزيع الانتقائي يؤكد أن المخططين يركزون على مناطق محددة لإدارتها كـ "بؤر توتر مسيطر عليها" تخدم حركة المال والسلاح العالمية.

الضحايا الحقيقيون ومكاسب "المتفرجين"

في هذا العالم الجديد، تسقط الشعوب وفكرة "حقوق الإنسان" كأولى الضحايا.

تُفقد الدول هويتها، ويُدمر اقتصادها، وتزهق أرواح الآلاف دون أن يرف جفن للمخططين في عواصم القرار الدولي.

أما المؤسسات الأممية والدولية، فقد تحولت بدورها إلى شريك فائز في هذه اللعبة. أصبحت وظيفتها الأساسية تنحصر في:

1. جمع التبرعات والأموال الطائلة باسم الإغاثة.

2. إصدار بيانات الاستهجان والاندهاش والقلق "البروتوكولي".

** إننا نعيش في زمن "الحروب الوهمية الموجهة"، حيث الخسارة مطلقة للشعوب والأوطان، والربح مضمون لشبكات المصالح العابرة للقارات. سلام على عالم تحكمه الاتفاقات السرية، وتدفع ثمنه دماء الأبرياء.

أن هذه "السيناريوهات المحكمة" ستؤدي في النهاية إلى إعادة تقسيم كاملة لخريطة النفوذ في المنطقة العربية، أم هى مجرد وسيلة مؤقتة لإدارة الأزمات الاقتصادية للدول الكبرى؟

محمد الشافعي مسرح العبث العالمي: سيناريوهات ”الحروب الوهمية” وصفقات الدم خلف الستار الجارديان المصريه