الأربعاء 16 سبتمبر 2026 07:09 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

مدحت الشيخ يكتب: جماعة الحوثي وخطر التمدد

الكاتب الصحفي الكبير مدحت الشيخ
الكاتب الصحفي الكبير مدحت الشيخ

لم يعد من الممكن التعامل مع تحركات جماعة الحوثي باعتبارها مجرد فصل من فصول الأزمة اليمنية، فقد تجاوز الأمر حدود الداخل اليمني عندما انتقلت تداعيات الصراع إلى البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وأصبح أمن الملاحة والتجارة الدولية أمام تهديدات متكررة.
والحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح هي أن تحويل الموقع الجغرافي لليمن إلى أداة للضغط والابتزاز السياسي والعسكري لا يخدم الشعب اليمني، ولا يحقق مصلحة عربية، بل يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى ويمنح أطرافاً خارجية مساحة أوسع للتدخل والتأثير.
جماعة الحوثي لا تتحرك في فراغ. وكلما اتسع نطاق نفوذ الجماعة المسلحة، أصبح اليمن أكثر ابتعاداً عن مفهوم الدولة القادرة على حماية حدودها ومؤسساتها ومصالح شعبها. والخطر لا يتوقف عند حدود اليمن، لأن الموقع الاستراتيجي للبلاد يجعل أي اضطراب في البحر الأحمر قضية إقليمية ودولية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وهنا تبرز مصر بصورة خاصة.
فالبحر الأحمر بالنسبة إلى مصر ليس مجرد مساحة جغرافية، وإنما امتداد مباشر للأمن القومي والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية. وقناة السويس تمثل أحد أهم شرايين التجارة العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة يضع مصالح مصر أمام تحديات حقيقية، سواء من حيث حركة السفن أو عائدات القناة أو انعكاسات اضطراب التجارة الدولية على الاقتصاد.
ومن الخطأ أن تنتظر الدول العربية حتى تتحول التهديدات إلى أزمة أكبر. حماية الملاحة تبدأ بمنع تحويل البحر الأحمر إلى منطقة نفوذ دائم للجماعات المسلحة، وبالتأكيد على أن الممرات الدولية لا يمكن أن تصبح رهينة لحسابات فصيل أو طرف إقليمي.
كما أن أمن البحر الأحمر لا يمكن فصله عن أمن الخليج والقرن الأفريقي وقناة السويس، فالجغرافيا هنا تفرض نفسها بقوة، وأي خلل في جزء من هذا المسار يمكن أن يترك آثاراً تمتد إلى مناطق أبعد بكثير من مسرح الأحداث.
والانتقاد الموجه إلى جماعة الحوثي لا يعني تجاهل القضية الفلسطينية أو الأزمات العربية الأخرى، كما لا يعني تبرير أي انتهاكات ترتكبها أطراف أخرى. لكن القضايا العادلة لا تُدار بالفوضى، ولا يمكن الدفاع عن قضية عربية من خلال تعريض مصالح شعوب عربية أخرى للخطر.
مصر دفعت ثمناً كبيراً عبر التاريخ من أجل حماية أمن البحر الأحمر واستقرار المنطقة، ومن حقها أن تحافظ على مصالحها وأن تدافع عن أمن قناة السويس وحركة الملاحة فيها. كما أن للدول العربية حقاً أصيلاً في حماية تجارتها وموانئها وممراتها البحرية من أي تهديد.
المشكلة الأكبر أن استمرار منطق السلاح خارج مؤسسات الدولة يهدد بتحويل اليمن من دولة تعاني أزمة إلى ساحة مفتوحة لصراعات إقليمية ممتدة. وكلما طال هذا الوضع، أصبحت إعادة بناء الدولة أكثر صعوبة، وأصبح المواطن اليمني هو الخاسر الأول.
لذلك فإن المطلوب ليس إشعال حرب جديدة، وإنما موقف عربي أكثر وضوحاً وصلابة في دعم الدولة اليمنية، ورفض تحويل أراضيها وممراتها البحرية إلى منصات للصراع، والعمل بالتوازي على مسار سياسي ينهي الأزمة ويعيد القرار إلى مؤسسات الدولة.
البحر الأحمر ليس ملكاً لجماعة، وقناة السويس ليست مجرد طريق تجاري يمكن تجاهل أمنه، والمصالح المصرية والعربية ليست تفاصيل هامشية في حسابات الصراعات الإقليمية.
إن حماية الملاحة مسؤولية، وحماية المصالح المصرية والعربية مسؤولية أكبر، والحفاظ على استقرار المنطقة يتطلب أن تكون للدولة الكلمة الأخيرة، لا للسلاح المنفلت.
وفي النهاية، فإن اليمن يستحق دولة مستقرة، ومصر تستحق بحراً آمناً، والعرب يستحقون طرق تجارة مفتوحة وآمنة. أما تحويل الممرات الدولية إلى أوراق ضغط، فلن يصنع استقراراً ولا يبني مستقبلاً، وإنما يطيل عمر الأزمات ويزيد فاتورة الخسائر على الجميع.

مدحت الشيخ جماعة الحوثي وخطر التمدد الجارديان المصريه