الثلاثاء 16 أبريل 2024 12:11 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

مدحت محي الدين يكتب : اللاذكاء الاصطناعي

الكاتب مدحت محي الدين
الكاتب مدحت محي الدين

في الآونة الأخيرة عزيزي القارئ ظهرت طفرة في عالم التكنولوجيا تدعي "الذكاء الاصطناعي"؛ برنامج يمده المستخدم ببعض البيانات البسيطة و يقوم البرنامج بالباقي؛ فمثلا يطلب من طالب بالكلية بحث عن موضوع ما فبدلا من أن يجتهد و يبحث بالمراجع أو بشبكة الانترنت يقوم بإدخال كلمات بسيطة عن موضوع البحث ببرنامج الذكاء الاصطناعي فيقوم البرنامج بكتابة البحث! و غير ذلك من الأمثلة التي ساهمت في اختزال العنصر البشري و حصرت دوره في إدخال بيانات بسيطة فقط.

من الأمثلة لتطبيقات هذا البرنامج أيضا عزيزي القارئ استخدام صورة شخص ما و تحريكها أو بمعنى أصح تحريك فم الشخص و كأنه يتحدث و تركيب صوت عليه لسرد بعض الأحداث، و انتشرت هذه الفيديوهات بشدة في الفترة الأخيرة على موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك"؛ في بادئ الأمر اقتصر الموضوع على فنانين راحلين من زمن بعيد جسدهم برنامج الذكاء الاصطناعي في فيديوهات بأصوات مختلفة عن أصواتهم الأصلية يسردون على الجمهور قصة حياتهم، و لاقت هذه الفيديوهات تفاعل كبير جدا من الجمهور و انتشار واسع في فترة قليلة، ثم تطور الأمر لما هو أسوأ بكثير و أصبحت هذه الفيديوهات وسيلة لتزييف الحقائق و دس الأفكار المسمومة في العقول كبث فكرة أن الحضارة المصرية لم تكن صناعة المصريين و غيرها من الأفكار الغربية المشوهة التي يحاول كل حاقد فرضها على مصر.

تطور الأمر إلى أبعد من فكرة التسلية بل إلى أبشع المراحل عزيزي القارئ؛ فقد قامت بعض الصفحات على "الفيسبوك" بإستخدام هذا البرنامج لتجسيد بعض الضحايا اللذين قتلوا بجرائم شغلت الرأي العام بالسنوات الأخيرة ليظهر تجسيدهم و هو يحكي للجمهور عما حدث لهم بالتفصيل دون أي مراعاة لأهالي الضحايا ولا التفكير في كيف سيكون شعور أب مكلوم أو أم مكلومة و هي ترى فيديو لابنها أو ابنتها الراحلة و هي تحكي كيف قتلت! كيف تعاد الأحداث الأليمة مرة أخرى عليهم دون رحمة!! بالإضافة إلى التأثير السلبي على المجتمع من إعادة نشر تلك الجرائم و تعريفها للأجيال الأصغر و ذلك بحسب رأي العديد من الأطباء النفسيين من الممكن أن يتسبب في إصابة الناس بالتبلد و التعود على الغير مألوف و تقبله و كأنه أمر عادي، مع الوقت ستموت الضمائر و تقسى القلوب، و عندما يحدث ذلك فتكرار الجريمة و انتشارها سيكون وارد بشدة.

إلى الآن لم أجد ميزة لما يسمونه الذكاء الاصطناعي، بل كل ما وجدته هو العيوب و التأثير السلبي على البشرية، لذلك لم أعد مقتنعا بأن مصطلح "الذكاء" هو المسمى الصحيح لهذا العبث، فالذكاء هو مايفيد البشرية و مايسهم في النهوض بالمجتمعات و التحسين من جودة الحياة، و بما أن ذلك لا ينطبق على هذا التطبيق الجديد فاسمح لي عزيزي القارئ بأن أطلق عليه "اللا ذكاء الاصطناعي".

مدحت محي الدين اللاذكاء الاصطناعي الجارديان المصرية