حسين السمنودى يكتب : الخِيانات العربية ودوّامة الرحيل
لم تكن الخيانة يومًا حدثًا عابرًا في تاريخ الأمم، بل كانت دائمًا الشرارة الأولى التي أشعلت الحرائق الكبرى، وأسقطت الدول من داخلها قبل أن تُسقِطها جيوش الخارج. وفي واقعنا العربي، تبدو الخيانة كأنها مرض مزمن، يتخفّى أحيانًا في ثوب السياسة، وأحيانًا في لباس المصالح، وأحيانًا أخرى في صمتٍ مريب أشد فتكًا من الضجيج.
الخيانة من الداخل أخطر من العدو المتربص على الحدود؛ لأن الداخل يعرف مواطن الضعف، ويملك مفاتيح الأبواب، ويُحسن اختيار لحظة الطعنة. حين يتحول بعض أبناء الوطن إلى أدوات، أو حين تُباع المبادئ مقابل مكاسب زائلة، يصبح الوطن نفسه ساحة مستباحة، ويُختزل الانتماء في شعارات جوفاء لا تحمي أرضًا ولا تصون كرامة. الخيانة الداخلية لا تُطلق رصاصة واحدة، لكنها تفتح الطريق لكل الرصاص، وتُسقِط الحصون قبل أن تبدأ المعركة.
أما الخيانة من الخارج، فهي الوجه الآخر للعملة ذاتها؛ أطماع قديمة تتجدد، واستعمار بثوب جديد، لا يدخل إلا إذا وجد من يمهّد له الطريق، ويبرر وجوده، ويمنحه الغطاء. الخارج لا ينجح وحده، لكنه ينجح حين يجد في الداخل من يفتح له الأبواب، ويصنع له الأعذار، ويُزيّن له العبث بمقدرات الشعوب، وحينها تتحول السيادة إلى وهم، والاستقلال إلى لافتة بلا مضمون.
ومن هنا تبدأ دوامة الرحيل؛ رحيل العقول قبل الأجساد، وهجرة الكفاءات، وانكسار الأحلام، وضياع الأجيال بين حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. حين تُخان الأوطان، يصبح المواطن غريبًا في بلده، وتتحول الأرض التي كانت ملاذًا آمنًا إلى محطة انتظار طويلة، ينتظر فيها الناس الخلاص أو الرحيل، ويكبر الأطفال على أصوات القذائف بدلًا من أناشيد الحياة.
الخيانة لا تُدمّر الحاضر فقط، بل تسرق المستقبل. تقتل الثقة بين الحاكم والمحكوم، وتُفكك النسيج الاجتماعي، وتزرع الشك والكراهية، حتى يفقد المجتمع مناعته، ويصبح هشًا أمام أي عاصفة. وما من دولة سقطت إلا وكان الخائن شريكًا أساسيًا في سقوطها، وما من شعب تشرّد إلا وكان الخذلان أحد أسباب تشريده، سواء كان خذلان السلاح أو خذلان الموقف أو خذلان الضمير.
ومع ذلك، يبقى الأمل معقودًا على الوعي؛ وعي الشعوب بخطورة الخيانة، ووعي النخب بأن الوطن ليس صفقة، ووعي الأجيال بأن الكرامة لا تُجزأ. فالأوطان لا تُبنى بالخيانة، ولا تُحمى بالصمت، ولا تُسترد بالارتهان للخارج، بل تُصان بالصدق، والوحدة، والولاء الحقيقي للأرض والإنسان.
إن الخيانة ليست مجرد فعل عابر يُمحى بمرور الزمن، بل جرح غائر في جسد الأوطان، كلما تُرك دون علاج تعفّن، وكلما تم التغاضي عنه اتسع حتى يبتلع كل ما حوله. الخيانة هي اللحظة التي ينهار فيها المعنى قبل أن تنهار الجدران، وتسقط القيم قبل أن تسقط العواصم، ويضيع الإنسان قبل أن تضيع الأرض. وما أشد قسوتها حين تأتي ممن يفترض فيهم الحماية، أو ممن تربّوا على تراب الوطن ثم باعوه بثمن بخس، فكانوا أول من دلّ الأعداء على مواطن الوجع، وأسرع من فتح لهم أبواب الخراب.
وحين تتشابك خيانة الداخل مع أطماع الخارج، تدخل الدول في نفق مظلم لا يُسمع فيه سوى صرخات الشعوب، ولا يُرى فيه سوى مواكب الرحيل؛ رحيل الأمن، ورحيل العدل، ورحيل الأمل. هناك، لا يعود المواطن مواطنًا، بل رقمًا في قوافل النزوح، ولا تعود الأوطان أوطانًا، بل ساحات صراع تُدار بالوكالة، وتُستنزف بلا رحمة، حتى تُترك خاوية على عروشها بعد أن تُفرغ من عقولها وسواعدها وأحلام أبنائها.
ومع ذلك، فإن التاريخ لم يكتب نهايته بعد، فالأمم لا تموت بالخيانة وحدها، بل تموت حين تعتادها، وتبررها، وتصمت عليها. أما حين تستيقظ الشعوب، وتُدرك أن الخيانة جريمة في حق الحاضر والمستقبل، وأن الوطن أغلى من المصالح الضيقة، وأبقى من الكراسي الزائلة، فإن مسار الانهيار يمكن أن يتوقف، ويمكن للجراح أن تبدأ في الالتئام مهما طال النزيف.
إن إنقاذ الأوطان يبدأ من رفض الخيانة بكل صورها، ومن محاسبة من خانوا، ومن إعادة بناء الوعي الجمعي على أساس الصدق والانتماء الحقيقي، لا على الخوف ولا على التبعية. يبدأ من كلمة حق، وموقف شجاع، وضمير حي يرفض أن يكون شاهد زور على خراب بلاده. فالأوطان لا تحتاج إلى أبطال على الشاشات، بقدر ما تحتاج إلى أمناء في المواقف، ثابتين عند الشدائد، أوفياء حين يشتد الظلام.
وفي النهاية، ستبقى الحقيقة واضحة مهما حاول الخائنون طمسها: أن الدول لا تُهزم إلا من داخلها، وأن الشعوب لا تُكسر إلا حين يُكسر ولاؤها لذاتها، وأن الخيانة، من الداخل والخارج، هي الطريق الأسرع إلى خراب الدول وضياع الشعوب، بينما الصدق والوحدة هما الطريق الوحيد لوقف دوامة الرحيل، واستعادة الوطن من بين أنياب الخيانة.












الأمن يكشف ملابسات سرقة سيارة بالإكراه في الإسماعيلية
تفاصيل مصرع سيدة ونجلها بعد سقوطهما من شرفة مسكنهما بالإسكندرية
القبض على 4 أشخاص انتحلوا صفة عاملين بشركات الغاز للنصب على المواطنين
الأمن يضبط قائد توك توك اصطدم بسيدة في السيدة زينب
ارتفاع أسعار الذهب في مصر اليوم.. عيار 21 يسجل 7200 جنيه الجمعة...
الدولار ينخفض 5 قروش أمام الجنيه داخل البنك الأهلي المصري بالتعاملات الصباحية
أسعار الذهب في مصر في بداية تعاملات اليوم الأحد 25 يناير 2026
أسعار الذهب اليوم الجمعة فى محلات الصاغة