السبت 14 مارس 2026 10:35 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

شحاتة زكريا يكتب : حسابات القوة وحدود الحرب .. عندما تتجاوز الصراعات منطق المنتصر والمهزوم

الكاتب الكبير شحاتة زكريا
الكاتب الكبير شحاتة زكريا

في الحروب الكبرى لا تكون المدافع وحدها هي التي تتحدث بل تتكلم معها حسابات السياسة، وضغوط الاقتصاد وتعقيدات الجغرافيا ومخاوف المستقبل. ولهذا فإن أي مواجهة عسكرية مهما بدت حاسمة في لحظتها الأولى لا يمكن اختزال نتائجها في عدد الضربات أو حجم الدمار. فالحرب في حقيقتها عملية معقدة من التفاعلات المتشابكة تبدأ بالرصاص لكنها لا تنتهي عنده. .. المشهد الراهن في الشرق الأوسط يقدم نموذجا واضحا لهذه الحقيقة. فالتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل لم يعد مجرد مواجهة عسكرية محتملة أو تبادل رسائل ردع بل تحول إلى ساحة مفتوحة لتشابك المصالح الدولية والإقليمية. وفي مثل هذه اللحظات يصبح السؤال الأهم ليس من يمتلك القوة الأكبر بل من يقرأ المشهد بشكل أدق.
التاريخ الحديث يخبرنا أن الحروب غالبا ما تبدأ بثقة كبيرة لدى أطرافها. كل طرف يعتقد أنه يمتلك القدرة على فرض إرادته بسرعة وأن المعركة لن تطول ، وأن الخصم سيتراجع تحت ضغط الضربات الأولى. لكن الواقع في كثير من الأحيان يكشف عن مسار مختلف تماما حيث تتعقد المواجهة وتخرج عن الحسابات الأولى وتصبح كلفة الاستمرار فيها أكبر من كلفة تجنبها .. المنطقة اليوم تعيش لحظة من هذا النوع. فالتوتر العسكري لا يقتصر تأثيره على أطراف الصراع المباشرين بل يمتد ليشمل الاقتصاد العالمي ومسارات التجارة الدولية وأسواق الطاقة. يكفي أن تتعرض الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز أو طرق الملاحة في البحر الأحمر لأي اضطراب حتى يشعر العالم كله بالارتباك وترتفع أسعار النفط وتزداد الضغوط التضخمية على اقتصادات تعاني بالفعل من آثار أزمات متتالية لقد خرج العالم من جائحة كورونا وهو يواجه اختلالات اقتصادية عميقة ، ثم جاءت الحرب في أوكرانيا لتزيد من تعقيد المشهد وتبعتها حرب غزة التي أعادت إشعال التوتر في الشرق الأوسط. ومع كل أزمة جديدة تتراكم الضغوط على الاقتصاد العالمي وتصبح أي مواجهة إضافية مصدر قلق يتجاوز حدود الجغرافيا التي تدور فيها لكن أخطر ما في الحروب ليس آثارها الاقتصادية فقط، بل أخطاء التقدير السياسي التي تقود إليها. ففي كثير من الأحيان تتحول الثقة المفرطة إلى نوع من الغرور الاستراتيجي، حيث يبالغ كل طرف في تقدير قدراته ويقلل من قدرة الطرف الآخر على الصمود أو الرد .. إيران على سبيل المثال، بنت خلال عقود شبكة من النفوذ الإقليمي حاولت من خلالها توسيع حضورها في أكثر من ساحة. غير أن هذه السياسة وضعتها أيضا في مواجهة ضغوط اقتصادية وسياسية كبيرة وجعلت اقتصادها يعيش سنوات طويلة تحت وطأة العقوبات. ومع تصاعد التوتر في المنطقة أصبحت طهران مطالبة بالدفاع عن هذا النفوذ في وقت تواجه فيه تحديات داخلية وخارجية معقدة في المقابل لا تبدو الحسابات الأمريكية والإسرائيلية بعيدة عن أخطاء التقدير. فالاعتقاد بإمكانية حسم الصراعات بسرعة هو فكرة تكررت في أكثر من تجربة تاريخية وغالبا ما اصطدمت بواقع أكثر تعقيدا. فالمنطقة ليست ساحة بسيطة يمكن التحكم في مساراتها بسهولة بل فضاء مليء بالتوازنات الدقيقة والتحالفات المتغيرة.
وما يزيد المشهد تعقيدًا أن كل مواجهة في الشرق الأوسط لا تبقى محصورة في حدودها الضيقة بل تتحول بسرعة إلى ملف إقليمي وربما دولي. فهناك قوى كبرى تراقب وحسابات أمنية تتداخل ومصالح اقتصادية تجعل من الصعب احتواء أي صراع بمجرد اندلاعه من هنا يصبح واضحا أن ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية محتملة، بل مرحلة انتقالية في توازنات المنطقة. فالتطورات الحالية قد تفتح الباب أمام تحولات في التحالفات وربما تدفع بعض الأطراف إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها القديمة.

التاريخ يعلمنا أن الحروب مهما بدت في بدايتها واضحة المعالم تنتهي غالبا بنتائج لم يتوقعها أحد. فالكثير من القوى دخلت صراعات وهي تعتقد أنها قادرة على فرض واقع جديد لكنها خرجت منها وهي تواجه واقعا أكثر تعقيدا مما كان قبلها ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي طرف في لحظة التوتر هو الاعتقاد بأن القوة العسكرية وحدها قادرة على حسم المعادلات. فالقوة قد تفرض واقعًا مؤقتا لكنها لا تستطيع وحدها بناء استقرار دائم الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة حساسة حيث تتقاطع فيه طموحات القوى الإقليمية مع حسابات القوى الكبرى وتتشابك فيه ملفات الأمن مع الاقتصاد والسياسة. وفي مثل هذه اللحظات يصبح ضبط الحسابات أكثر أهمية من استعراض القوة لأن أي خطأ في التقدير قد يفتح الباب أمام سلسلة من التفاعلات يصعب السيطرة عليها وفي النهاية تبقى الحقيقة الأهم أن الحروب لا تصنع دائما منتصرين بقدر ما تخلق واقعا جديدا يدفع الجميع ثمنه. وربما يكون الدرس الأبرز في كل ما يحدث اليوم أن إدارة الصراعات بحكمة تظل أقل كلفة بكثير من خوضها بلا حساب.

حسابات القوة وحدود الحرب .. عندما تتجاوز الصراعات منطق المنتصر وا لمهزوم شحاتة زكريا الجارديان المصرية