الإثنين 16 مارس 2026 06:30 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب : من رياحين رمضان (5)

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

لقد أوشك شهر رمضان المعظم على الانتهاء ، وأخذ يلملم أيامه القليلة ، ولا زالت رياحينه العطرة كما هي بل ازدادت عبقا ، ومسكا بفضل ليلة القدر ، وهى أعظم لياليه مكانة عند الله ، ولأهميتها العظمى ، ومكانتها المثلى قد أنزل الله سورة تسمى بسورة "القدر حيث يقول فيها "إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡر*وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ليۡلَةُ ٱلۡقَدۡر* لَيۡلَةُ الۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡر* تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡر* سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡر"كما لايزال الحديث عن وسائل التحضر ، والتقدم التي منحها الله لكافة الناس ، وفى المقالات السابقة تم التحدث عن العقل ،ودراسة مخلوقات الله ، ودراسة كتابه العزيز" كوسائل لتقدم الإنسانية ،وتطورها ، ولازلت في أعماق بحر قوله تعالى "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم" أبحث عن كنز رابع من تلكم الوسائل ، فوجدت ذلكم الكنز ، وهو "رسول ﷺ " فقد أرسله الله للناس جميعا رسولا خلوقا ، ومتحضرا ليأخذ بأيديهم نحو التحضر ، والازدهار، وهو سيدنا "محمد ﷺ آخر الأنبياء والرسل ، ولذا وصفه الله بأنه نور ، فقال "قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِين "ووصفه كسراج الشمس لأنه ينير للعالم سبيلهم المظلم "يَا أيُهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدا ومُبَشِّرًا وَنَذِيرا* وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرا "وحث البشرية على طاعته ، والاستجابة له ، فقال" يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم" أي أن الذى لا يستجيب
له فهو شخص في عداد الموتى ، لا قيمة له ، ولا وزن ! وقد أثبت الله بما لا يدع مجالا للشك مدى صدقه ، وذكر .. لو أن النجوم قد ذهب نورها ، وتقطعت إربا إربا ، وسقطت ، ولم يكن لها أيّة وجود ، ما كذب عليكم رسولي مطلقا ، لأنه لا يقول إلا وحيا من عندي "وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَى* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ* وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ * إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ" كما أنه حريص على البشرية جمعاء لينتشلهم من وحل الخيالات المختلقة ، وظلمات السذاجات المتدفقة في أدمغة السّذج ليلا ، ونهارا ، بل ويكسر الجمود العقلي ، والانحطاط الأخلاقي ليرقى بهم إلى عنان السماء تقدما ، وازدهارا ، ويكونون أهلا ، ومكانتهم الإنسانية ، يقول تعالى "لقَدْ جَاءَكُمْ رسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيم" كم عانى ، وكم تحمّل ! بل ذاق الأمرّين من المعاندين لدعوته
الكريمة ! وبالرغم من ذلك كله لم ينل أجرا من أحد ، ولا ينتظر ! ولكنه ﷺ ينتظر الأجر من الله فقط "قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِين" فما هذه العظمة ! وما أروعه من رسول ! هيا بنا نتاول سويا حديثا واحدا فقط من أقواله العظيمة ﷺ لأثبت تلكم العظمة المحمدية ، حيث قال ﷺ لكافة الناس "اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك" وكأنك تسمع لأحد من الأساتذة يحاضر في أرقى جامعات العالم ، كجامعة "هارفارد ، أو جامعة أكسفورد ، بل هو أجل من ذلك ، وأعظم ، لأنه رسول الله .. بالرغم أنه كان ﷺ أميّا لا يقرأ ، ولا يكتب ! وليس هذا فحسب ، بل قال ذلك منذ أكثر من ألف ، وأربع مائة عاما !! لن أتحدث عن بلاغته ﷺ في حسن اختيار كلماته ، ولن أتحدث عن فصاحته في
جمال أسلوبه ، وحسن اختيار جمله ، ولن أتحدث عن تماسك أفكار موضوعه ﷺ ولكن سيكون الحديث عن القيم التي ذكرها ، ففي هذا الحديث الشريف قد حث البشرية على استغلال ، واستثمار أفضل خمس مراحل في حياة الإنسان ، وهى "مرحلة الشباب ، ومرحلة الصحة ، ومرحلة إذا ملك المرء مالا ، ومرحلة أوقات الفراغ ، ومرحلة حياة المرء في هذه الدنيا "حيث يجب أن يستغل المرء هذه المراحل لتطوير ذاته علميا ، وفكريا ، وخلقيا ، ونفسيا ،واقتصاديا ، ورياضيا ، وإقامة علاقات اجتماعية سامية ، وأن يحسن إدارة وقته .. كما يجب إلقاء جميع السلبيات في صندوق المخلفات ، وتطليق الكسل ، والتواكل ، والتسويف طلاقا ثلاثا لا رجعة فيه ، لأنها ستغرق صاحبها في بحر التخلف ، وبراثن الجهل ، ولا داعى لأن يكتب على جبهته رقم 111 ، أو يملأ جعبة قلبه باليأس ، وفقد الأمل ، لأن الله لم يرد لنا ذلك ، كما أننا نعيش في هذه الحياة مرة واحدة فقط ، ثم سنتلاشى عنها نهائيا ، ونختفى تحت الأرض بالموت الذى لا محالة فيه ، فلا نفقد أملا ، ولا نزرع شوكا بأيدينا ، فمن يزرعه ، فلن يحصد إلا علقما ، فالطفل يقع على الأرض مرات ، ومرات في اليوم الواحد ، ولا ييأس أبدا حتى يتمكن من المشى على قدميه الصغيرتين .. فما أروعها من وصايا ! وما أعظمه من رسول .

زكريا سليمان من رياحين رمضان (5) الجارديان المصرية