الأربعاء 18 مارس 2026 03:41 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب : العرب… بأي عقل يفكرون؟!

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

العنوان ليس استفهامًا
بقدر ما هو صرخة، وليس تعجبًا عابرًا بل وجعٌ متراكم من مشهد عربي يتكرر فيه الخطأ حتى صار عادة، وتُعاد فيه المآسي حتى كأنها قدرٌ لا يُرد. نحن أمام واقعٍ تتداخل فيه الحسابات، وتتصادم فيه المصالح، ويضيع فيه العقل العربي بين عاطفةٍ جياشة، وخوفٍ مشروع، وتوجيهاتٍ خارجية لا تريد لنا إلا البقاء في دائرة الفوضى.
ما يحدث اليوم في الخليج العربي، من توترات وضربات متبادلة، واستهداف مباشر أو غير مباشر لبعض بلدان الجزيرة العربية، يكشف عن هشاشة في بنية التفكير الجمعي، لا في قوة السلاح ولا في حجم الإمكانيات. فالقضية لم تعد مجرد صراع إقليمي بين إيران وبعض الدول العربية، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة العرب على قراءة المشهد قراءة واعية، بعيدًا عن الانفعال، وقريبًا من الحكمة.
إيران، منذ سنوات، لم تكن تتحرك في فراغ، بل نسجت شبكة من النفوذ تمتد عبر أكثر من ساحة، مستخدمة أدوات متعددة، من السياسة إلى الميليشيات إلى الإعلام. وهي في كل ذلك لا تخفي مشروعها، بل تعلن عنه أحيانًا بوضوح. والسؤال هنا: هل تعامل العرب مع هذا المشروع بوعي استراتيجي؟ أم تعاملوا معه بردود أفعال متفرقة، لا يجمعها هدف ولا يوحدها قرار؟
الخطير في المشهد ليس فقط ما تفعله إيران، بل كيف يتعامل العرب مع ذلك. فبدلًا من بناء جبهة عربية متماسكة قائمة على المصالح المشتركة، نرى دعوات متسرعة، بل ومندفعة، لزج دول بعينها—وفي مقدمتها مصر—في صراعات عسكرية قد لا تخدم في النهاية إلا أطرافًا أخرى.
مصر، بتاريخها وموقعها وقوتها، ليست دولة يمكن التعامل معها كأداة في صراع، ولا كدرع يُدفع به في وجه الخطر كلما اشتد. مصر دولة لها حساباتها، ولها أولوياتها، ولها أمنها القومي الذي لا ينفصل عن محيطها العربي، ولكنه أيضًا لا يُختزل في الدفاع عن أخطاء الآخرين أو الانخراط في حروب لم تُحسب نتائجها بدقة.
إن الدعوات التي تنادي بدخول الجيش المصري في مواجهة مباشرة مع إيران تحت شعار "حماية العرب"، تحتاج إلى مراجعة عميقة. فهل حماية العرب تكون بإشعال حرب إقليمية شاملة؟ وهل تُدار المعارك بالعواطف أم بالحسابات الدقيقة؟ وهل من الحكمة أن تُستنزف قوة بحجم مصر في صراع قد يمتد لسنوات، بينما هناك أدوات أخرى يمكن أن تكون أكثر فاعلية وأقل تكلفة؟
العقل الاستراتيجي يقول إن المواجهة ليست دائمًا عسكرية، وإن الرد لا يكون دائمًا بالسلاح. هناك الاقتصاد، هناك التحالفات، هناك الدبلوماسية، هناك بناء الداخل. هذه أدوات لا تقل أهمية عن الطائرات والصواريخ، بل ربما تكون أكثر تأثيرًا في عالم اليوم.
كما أن السؤال الأهم: أين كان هذا الحماس العربي عندما كانت بعض الدول العربية تُستنزف من الداخل؟ أين كانت الوحدة عندما تمزقت دول وتحولت إلى ساحات نفوذ؟ ولماذا نتذكر "العروبة" فقط عندما تشتد الأخطار، ثم نعود لننساها عند أول اختلاف؟
المشهد العربي اليوم يحتاج إلى وقفة صادقة، مراجعة حقيقية، وإعادة تعريف لمعنى الأمن القومي العربي. لم يعد مقبولًا أن نظل نتحرك برد الفعل، أو أن نُقاد إلى معارك لا نعرف نهايتها. كما لم يعد مقبولًا أن يكون الحل دائمًا هو الحرب، وكأننا لم نتعلم شيئًا من تاريخ طويل من النزاعات التي لم تترك خلفها إلا الدمار.
العرب لا ينقصهم القوة، بل ينقصهم توحيد الرؤية. لا ينقصهم السلاح، بل ينقصهم القرار المستقل. ولا ينقصهم الشجاعة، بل ينقصهم العقل الذي يُحسن توجيه هذه الشجاعة.
وفي ختام هذا المشهد الملبد بالتوترات والأسئلة الثقيلة، تبقى الحقيقة أوضح من أن تُخفى: إن الأمة التي لا تُحسن التفكير في لحظات الخطر، تدفع ثمن اندفاعها أجيالًا كاملة. فالقضية لم تعد مجرد صراع مع إيران، ولا مجرد دفاع عن حدود هنا أو هناك، بل أصبحت معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح، ومعركة بقاء حضاري قبل أن تكون مواجهة عسكرية.
إن الزج بالجيوش في أتون الحروب دون حساب دقيق، ليس شجاعة بل مقامرة، وليس نصرة بل استنزاف قد يفتح أبوابًا لا تُغلق. ومصر، بما تمثله من ثقل تاريخي واستراتيجي، ليست ورقة تُلقى على طاولة الصراع كلما اشتد التوتر، بل هي ركيزة توازن يجب الحفاظ عليها، لأن سقوطها أو إنهاكها لا قدر الله، يعني اختلال ميزان المنطقة بأكملها.
إن أخطر ما نواجهه اليوم هو غياب الرؤية الجامعة، حيث يتحرك كل طرف وفق خوفه أو مصلحته الضيقة، بينما تتسع الفجوة بين الشعوب وقرارات الحرب. ولو أدرك العرب أن قوتهم في وحدتهم، وأن أمنهم لا يُجزأ، لما وصلنا إلى هذا الحد من التشتت الذي يجعلنا نستدعي الحلول الخاطئة في التوقيت الأخطر.
فليست الحكمة أن نُشعل حربًا لنثبت أننا أقوياء، بل الحكمة أن نمنع الحرب ونحن نملك القوة. وليست البطولة أن ندفع بأبنائنا إلى ميادين لا نعرف نهايتها، بل البطولة أن نحمي أوطاننا بعقلٍ يسبق السلاح، ورؤيةٍ تسبق الانفعال.
لقد آن الأوان أن يُعاد بناء العقل العربي، لا على أساس رد الفعل، بل على أساس الفعل المدروس، وأن نفهم أن المعركة الحقيقية ليست فقط مع من يهدد حدودنا، بل مع كل فكرة تدفعنا للتهور، وكل صوت يدعونا للاندفاع دون بصيرة.
وإن لم نفعل… فسيظل السؤال قائمًا، يتردد في ضمير كل عربي صادق:
هل نحن أمة تُحسن قراءة الخطر… أم أمة تُتقن فقط دفع الثمن؟

حسين السمنودى العرب… بأي عقل يفكرون؟! الجارديان المصرية