الأربعاء 29 أبريل 2026 07:01 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتورة نهال احمد يوسف تكتب: أركان مضيئة (٢): سيكم...اقتصاد المحبة

دكتوره نهال أحمد يوسف
دكتوره نهال أحمد يوسف

في مطلع هذا العام، قادتني خطاي إلى قلب صحراء بلبيس بمحافظة الشرقية، لأقف أمام تجسيد حي لما يمكن وصفه بالمعجزة النظمية الشاملة، وهي تجربة "سيكم" التي صاغ ملامحها الدكتور إبراهيم أبو العيش (1937-2017) ويواصل فريقه اليوم حراسة شعلتها بمعافرة نبيلة تتحدى المتغيرات الراهنة. تتجاوز سيكم بكيانها حدود المزرعة التقليدية لتصبح "وطناً مصغراً" يبرهن على قدرة الإرادة المصرية حين تتسلح بالعلم والرؤية؛ إذ تنعكس هذه الرؤية في وجوه أطفال القرى المحيطة الذين تظهر عليهم ملامح التنمية بوضوح مذهل، مؤكدة أن صمود هذا المكان يستند إلى عقيدة روحية وعلمية راسخة، يختصرها الدستور المعلق في ردهات المؤسسة: "يا رب سوف أرجع إليك فقد بذرت البذور باسمك مخلصاً.. لقد أوقدت هذه الشمعة يا رب احفظ نورها من ظلام العالم". تمثل هذه الكلمات المحرك الجوهري لنموذج استطاع قهر المستحيل الجيولوجي والمجتمعي، محولاً "السبخة" القاتلة إلى واحة تضج بالحياة والإبداع.
تستمد القصة العلمية لهذا الركن المضيء قوتها من رحلة الدكتور إبراهيم أبو العيش، الذي صقل خبراته الأكاديمية في جامعة "غراتس" بالنمسا، حاصلاً على دكتوراه في الكيمياء التقنية وأخرى في علم الأدوية، وصولاً إلى رئاسة قسم الأبحاث الدوائية هناك. ومع ذلك، شكلت زيارته لمصر عام 1975 نقطة تحول مركزية، حين عاين واقع الريف المصري وما يعانيه من تدهور بيئي واعتماد مفرط على السموم الكيماوية، فاتخذ قراره التاريخي بالعودة عام 1977 لاستصلاح 140 فداناً كانت تعد من "أصعب أنواع الأراضي". واجه المشروع في بدايته تربة سبخة تحتجز تحت سطحها طبقة ملحية كثيفة تفتك بجذور النباتات، وهو ما قابله أبو العيش ومن معه بمنظور علمي دقيق، مستعيضين عن الأسمدة التقليدية بمنهجية "الزراعة الحيوية" (Biodynamic Farming) وتقنيات غسل التربة الممنهج وإحيائها عبر الكومبوست والتحضيرات الحيوية، ما أدى لتفتيت الطبقة الملحية وتحويل الرمل الميت إلى تربة داكنة خصبة، في سابقة علمية أكدت إمكانية استعادة حيوية الأرض مهما بلغت قسوة الظروف الطبيعية.
يمتد تأثير سيكم ليتجاوز حدود المزرعة الواحدة، مُحدثاً ثورة حقيقية في السياسات الزراعية الوطنية المصرية؛ فعندما نجحت المبادرة عام 1991 في إثبات إمكانية زراعة القطن العضوي بدون مبيدات كيماوية، قدمت حلاً اقتصادياً وبيئياً فائق الجودة، ما أسفر عن قرار وطني تاريخي بإلغاء الرش الجوي للمبيدات في مصر، وخفض استهلاك السموم الكيماوية بنسبة هائلة تصل إلى 90%. أدى هذا النجاح لتراجع استخدام المبيدات من 35 ألف طن سنوياً إلى مستويات ضئيلة، ما وفر مبالغ طائلة على الدولة وحمى صحة ملايين الفلاحين المصريين. يمثل هذا التحول النظمي جوهر رؤية سيكم القائمة على "الزهرة الرباعية"، حيث تتداخل أبعاد أربعة تشمل البعد البيئي الشافي للأرض، والبعد الاقتصادي القائم على "اقتصاد المحبة" والشفافية، والبعد الاجتماعي الذي يحترم كرامة الإنسان، والبعد الثقافي الذي يضع "تفتح الإمكانات البشرية" كمحرك أساسي للتغيير، وهو ما يتجسد في نظام العمل الذي يخصص 10% من وقت الموظفين لممارسة الفنون والتنمية الذاتية.
تتجلى عبقرية هذا النموذج في تلك الدائرة الروحية المكتملة التي تربط بين طفل المدرسة وبين موظف المؤسسة؛ فالموظفون الذين يمارسون الرسم والموسيقى والتنمية الذاتية اليوم هم في حقيقتهم ذات "البذور" التي نبتت في مدارس سيكم وتغذت على قيمها التنموية. إن مشهد الموظف وهو يخصص وقتاً للإبداع الفني يمثل الامتداد الحي لسنوات طفولته التي قضاها في فصولٍ تقدس الخيال، ما يجعل من الفن سلوكاً مهنيّاً دائماً يعزز الكرامة والوعي. هؤلاء الأطفال الذين كبروا داخل هذا المجتمع التنموي، تحولوا إلى حراسٍ للرؤية، تظهر على وجوههم ملامح النضج الفكري والصفاء النفسي رغم بساطة بيئتهم ومظهرهم، مؤكدين أن بناء الإنسان هو عملية تراكمية تبدأ من مقعد الدراسة وتستمر في ميدان العمل.
تطمح سيكم اليوم، من خلال رؤيتها لعام 2057، إلى تحقيق تحول وطني شامل يهدف لتحويل كامل الأراضي الزراعية في مصر إلى الزراعة الحيوية، معتمدة على 16 هدفاً استراتيجياً تتقاطع مع أهداف الأمم المتحدة وتتلاءم مع السياق الثقافي المصري. إن شركات المجموعة مثل "إيزيس" و"أتوس فارما" و"نيتشرتكس" تبرهن عملياً على أن النجاح التجاري يمكن أن يسير جنباً إلى جنب مع المسؤولية الأخلاقية والبيئية. ولهذا، تظل زيارة سيكم وتجربة الحياة فيها ضرورة لكل من ينشد الأمل؛ فهي دعوة لاكتشاف كيف يمكن لـ "اقتصاد المحبة" أن يحول الرمل إلى جنة، والجهل إلى وعي إبداعي. إن رؤية ملامح التنمية على وجوه أطفالها، ومشاركة موظفيها لحظات إبداعهم، تمنح الزائر يقيناً بأن التغيير الحقيقي يبدأ حين نؤمن بقدرة الإنسان على الإحياء. لقد عدت من زيارتي ممتلئة بالدهشة، مؤكدة أن شمعة الدكتور إبراهيم أبو العيش ستظل تضيء عتمة التحديات ما دامت هناك قلوب تبذر البذور بمنتهى التجرد والإخلاص.
مصادر وبحوث للاطلاع على تجربة سيكم:
الجمعية المصرية للزراعة الحيوية (EBDA): تقارير موثقة حول نتائج خفض المبيدات في مصر بالتعاون مع وزارة الزراعة.
مؤسسة Right Livelihood: تقرير منح الدكتور إبراهيم أبو العيش جائزة نوبل البديلة عام 2003.
أبحاث جامعة هليوبوليس: دراسات حول "اقتصاد المحبة" و"الحسابات التكاليفية الحقيقية" للمنتجات العضوية.
رؤية سيكم 2057: الوثيقة الاستراتيجية للأهداف الـ 16 للتنمية المستدامة في مصر.
كتاب "سيكم: رؤية ريادية للتنمية الاجتماعية": المذكرات الشخصية للدكتور إبراهيم أبو العيش التي تشرح فلسفة التأسيس.

دكتورة نهال احمد يوسف أركان مضيئة (٢): سيكم...اقتصاد المتحدة ترامب ايران الجارديان المصريه