د. القس جرجس عوض يكتب : إبراهيم الخليل وعيد الأضحى
«وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا». ٢ فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ».» (التكوين ٢٢: ١، ٢)
يلتقي هذا النص من سفر التكوين بشكل جوهري وعميق مع جوهر عيد الأضحى المبارك، فكلاهما يروي القصة الأعظم في تاريخ البشرية عن التسليم المطلق لله، والتضحية، والفداء. ورغم اختلاف اسم الابن الذبيح بين النص التوراتي (إسحاق) والموروث الإسلامي (إسماعيل)، إلا أن الرسالة الروحية واحدة ومطابقة تماماً: "طاعة الإيمان وفداء السماء"
هذا هو القاسم المشترك في عيد الأضحى
قال إبراهيم لله هأنذا: إعلان الاستعداد المطلقة ومن هنا يبدأ النص بعبارة تهز الوجدان الإنساني: «يَا إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا».
كلمة "هأنذا" ليست مجرد رد عابر، بل هي إعلان عن الاستعداد التام والتأهب لتلقي أمر الخالق وتنفيذه دون تردد؛ إنها تجسيد لـ "السمع والطاعة" وتحمل في طياتها أعلى درجات الولاء.
وفي عيد الأضحى، دعونا نستحضر هذه الروح؛ روح التخلي عن "الأنا"، والوقوف في حضرة الله بقلب خاشع ومستسلم تماماً لتدبيره وإرادته العظمى. وبينما كان إبراهيم الخليل يقول "هأنذا"، لم يكن يعلم المطلوب منه بعد، إلا أن ما طُلِب منه لاحقاً لم يكن شيئاً مادياً أو حتى بذل ذاته؛ فقد كان أهون على إبراهيم أن يقدم نفسه فداءً لابنه، لكن الله أراد اختبار قلبه في أغلى ما يملك: ابنه وثمرة فؤاده.
انه جنون الحب الإلهي
لقد قال أحد الملحدين ذات مرة تهكماً: "إن إبراهيم كان مختلاً عقلياً"، وأنا هنا أثني على وصفه هذا مع اختلاف الفكر والمنطق؛ فإبراهيم كان بالفعل "مجنوناً" بحب الله، مستهاماً بطاعته والولاء له، وهو جنون وعشق صوفي يتجاوز حدود المنطق البشري الضيق ليحلق في رحاب اليقين المطلق.
نحن في حياتنا اليومية حينما نجود، فإننا غالباً ما نعطي لله ما يفيض عن حاجتنا وما تحتمله قدراتنا، أما إبراهيم فقد نجح بامتياز في تقديم أثمن واغلي ما لديه، متجاوزاً غريزة الأبوة الفطرية إرضاءً لرب العالمين.
الفداء الإلهي: كرم لا يسبقه فضل
من الجانب الآخر، لم يكن الله جل جلاله متفرجاً على بطولة إبراهيم، بل أخذ المبادرة العظمى ودبر له "ذبحاً عظيماً" ليفدي به ابن خليله. ومن هنا تأتي فكرة الأضحية في الإسلام وموت المسيح الفادي في الفكر المسيحي حيث قام السيد المسيح بدور الذبيح الأعظم الأضحية التي قدمها الله من اجل اولاد إبراهيم
وفي هذا العيد التي تذبح اليوم فيه الأضاحي ؛ فهي ليست مجرد طقس لإراقة الدماء أو مظهراً من مظاهر اللهو، بل هي رمز للفداء الإلهي، وإعلان بأن الله الرحيم لا يريد إهلاك الإنسان بل يريد اختبار قلبه وتكريم طاعته.
تخيل معي لو أن إبراهيم قدم ابنه وذبحه دون تدخل العناية الإلهية لإنقاذه؛ حاشا لله أن يسبقه أحد في الفضل والجود، فلو ترك الله إبراهيم يذبح ابنه لصار كرم العبد وتضحيته كأنهما يطوقان المشهد، والله كيف يكون هذا والله سبحانه وتعالى هو الواهب المبتدئ بالنعم، ولا يكون مديناً لأحد من خلقه. بل إن تدبير الكبش والفداء جعل إبراهيم ونسله مدينين لله بالحمد والشكر لأنه أنقذهم من الموت والهلاك، وبدد وحشة الفقد ببهجة الفداء.وكما فدى الله ابن إبراهيم، فتح لنا باباً
واسعاً لإدراك أن التضحية الحقيقية ليست في سلب الحياة، بل في وهبها ونمائها. وان الحب والعطاء اسمي كل العبادات وإن عيد الأضحى في عالمنا المعاصر ليس مجرد استعادة لذكرى تاريخية أو ممارسة لطقوس موروثة، بل هو دعوة حية ومستمرة لإعادة ترتيب أولوياتنا. في عالم طغت فيه الماديات واندثرت القيم والمبادئ وسادت الأنانية، يأتي هذا العيد ليذكرنا بضرورة ذبح "أصنام الذات" داخلنا وعلينا أن نذبح الجشع، والخصام، والأحقاد والكراهية، والطمع
كل عام وانتم بخير












القبض على صانعة محتوى بالإسكندرية لنشرها مقاطع رقص بملابس خادشة للحياء والتلفظ...
إصابة 30 شخصًا في حادث تصادم أتوبيسين بطريق منفذ أرقين - أبو...
حبس المتهم بالتعدى على شخص بسلاح أبيض فى المرج 4 أيام على...
محكمة الجنح تؤيد حبس متهمين فى قضية ”خناقة كمبوند الفردوس” سنة و6...
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم
استقرار سعر الدولار أمام الجنيه اليوم في البنوك المصرية
أسعار الذهب اليوم في مصر الثلاثاء 14 ابريل