السبت 11 يوليو 2026 03:31 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب: القلوب لا تُقاس بالمناصب

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

هناك أناس إذا مرّوا في حياتك تركوا أثرًا لا يمحوه الزمن، ليس لأنهم كانوا أصحاب مناصب رفيعة، ولا لأنهم امتلكوا المال أو النفوذ، بل لأن قلوبهم كانت أكبر من كل المناصب، وأرحب من كل الكراسي، وأغنى من كل خزائن الدنيا. فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما يجلس عليه، وإنما بما يحمله في صدره من رحمة، وما يقدمه لغيره من خير، وما يتركه خلفه من ذكر طيب.
لقد اعتاد الناس أن ينبهروا بالمناصب، وأن يقيسوا قيمة الإنسان بما يسبق اسمه من ألقاب، حتى أصبح بعضهم يظن أن المكانة تُصنع بقرار، وأن الاحترام يُفرض بالسلطة، وأن الهيبة تأتي من الكرسي. لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن المنصب قد يمنح صاحبه صلاحيات، لكنه لا يمنحه محبة الناس، ولا يشتري له دعوة صادقة من قلب مظلوم، ولا يخلّد اسمه في ذاكرة التاريخ.
كم من مسؤول بسيط أحبه الناس لأنه كان قريبًا منهم، يسمع شكواهم، ويقضي حاجاتهم، ويعاملهم بوجه بشوش وكلمة طيبة، فصار اسمه يُذكر بكل خير. وكم من صاحب منصب كبير أغلق أبوابه، وتعالى على الناس، وظن أن المنصب سيبقى له، فلما رحل عن كرسيه رحل معه كل شيء، ولم يبقَ منه إلا ما قدمت يداه.
إن القلوب لا تنحني للسلطة، وإنما تنحني للأخلاق. والإنسان لا يُحترم لأنه قوي، بل لأنه عادل، ولا يُحب لأنه غني، بل لأنه كريم، ولا يُخلَّد لأنه مشهور، بل لأنه نافع للناس. فالقلوب لها ميزان لا يعرف المجاملة، ولا يخضع للنفوذ، ولا ينخدع بالمظاهر؛ إنها تميز الصادق من المتصنع، والمتواضع من المتكبر، وصاحب الرسالة من الباحث عن الشهرة.
ومن أعجب ما في الحياة أن كثيرًا من أصحاب المناصب يرحلون فلا يفتقدهم أحد، بينما يبقى إنسان بسيط، ربما لم يحمل لقبًا يومًا، حاضرًا في الدعوات والذكريات، لأن قلبه كان مفتوحًا للجميع، ولأن يده امتدت بالخير دون انتظار مقابل، ولأن ابتسامته كانت تسبق كلماته.
إن المنصب امتحان قبل أن يكون تشريفًا، وأمانة قبل أن يكون وجاهة. فمن جعله وسيلة لخدمة الناس ارتفع عند الله وعند عباده، ومن جعله وسيلة للتكبر عليهم سقط، وإن بقي جالسًا على أعلى المقاعد. فالكرسي لا يرفع إنسانًا فقد أخلاقه، كما أن تواضع الإنسان قد يرفعه فوق كل الكراسي.
ولقد علمنا التاريخ أن أعظم القادة لم يكونوا أعظمهم سلطة، وإنما أعظمهم رحمة. وأن أكثر الأسماء خلودًا ليست أسماء من ملكوا الدنيا، بل أسماء من ملكوا قلوب الناس. فالقلوب لا تُفتح بالمفاتيح، وإنما تُفتح بالصدق، والإخلاص، والعدل، والرحمة، والتواضع.
وفي حياتنا اليومية نلتقي بأشخاص لا نعرف وظائفهم، ولا نسأل عن مناصبهم، لكننا نحبهم من أول لقاء، لأن أرواحهم نقية، وكلماتهم صادقة، ووجوههم تبعث الطمأنينة. ونلتقي في المقابل بأصحاب جاه ونفوذ، فلا نجد في حضورهم إلا رهبة المنصب، أما إذا غاب المنصب، غاب كل شيء.
إن أعظم ما يملكه الإنسان ليس بطاقة تعريف تحمل لقبًا، ولا مكتبًا واسعًا، ولا سيارة فارهة، وإنما قلب يعرف معنى الرحمة، ولسان يصدق، ويد تمتد بالعون، ونفس تتواضع مهما علت مكانتها. فهذه هي الثروة التي لا تزول، وهذا هو الرصيد الذي يبقى بعد أن تنتهي رحلة الحياة.
وليت كل من جلس على كرسي مسؤولية تذكر أن الناس قد تنسى القرارات، لكنها لا تنسى طريقة المعاملة. وقد تغفر الخطأ، لكنها لا تغفر الكِبر. وقد تختلف مع المسؤول، لكنها تحترمه إذا أنصفها، وأحسن إليها، وصان كرامتها.
وفي نهاية المطاف، سيأتي اليوم الذي تُطوى فيه صفحات المناصب، وتُغلق أبواب المكاتب، وتُنزع الألقاب من أمام الأسماء، ويقف الجميع على أرضٍ واحدة، لا يميز فيها الله بين مسؤول ومواطن، ولا بين غني وفقير، إلا بما قدم كل واحد منهم من عمل صالح، وما زرعه في قلوب الناس من خير ورحمة وعدل.
هناك لن يُسأل الإنسان: كم عامًا جلست على كرسيك؟ ولا كم كان عدد من يقفون احترامًا لمنصبك؟ ولا كم قرارًا وقعت عليه؟ وإنما سيكون السؤال: كم مظلومًا أنصفت؟ وكم ملهوفًا أغثت؟ وكم بابًا فتحته في وجه صاحب حاجة؟ وكم قلبًا جبرته بعدما أنهكه الألم؟ وكم إنسانًا حفظت له كرامته وهو يقف أمامك ضعيفًا لا يملك إلا الدعاء؟
إن المنصب لا يصنع العظمة، وإنما يكشف حقيقة صاحبه. فمن كان كريم النفس قبل المنصب، ازداد تواضعًا بعده، ومن كان ضعيف الخلق، فضحه الكرسي مهما حاول أن يتجمل. فالسلطة امتحان، لا وسام، وأمانة، لا امتياز، ومن أحسن حملها استحق احترام الناس ودعاءهم، ومن أساء استخدامها خسر كل شيء، ولو بقيت الألقاب تسبقه في كل مكان.
ولقد علمتنا الحياة أن أكثر الناس خلودًا في الذاكرة ليسوا أصحاب النفوذ، وإنما أصحاب المواقف. أولئك الذين كانوا يفتحون أبوابهم قبل أن تُطرق، ويبتسمون قبل أن يُطلب منهم، ويشعرون بآلام الناس وكأنها آلامهم. هؤلاء لا تموت أسماؤهم، لأنهم سكنوا القلوب قبل أن يسكنوا المناصب.
أما الذين ظنوا أن الكرسي سيمنحهم الخلود، وأن الهيبة تُفرض بالصوت المرتفع، أو بتعقيد مصالح الناس، أو بإشعار البسطاء بصغرهم، فقد أخطأوا فهم الحياة. فالمنصب يرحل، والمكتب يُغلق، والسيارة الرسمية تتوقف، والحرس ينصرفون، ويبقى الإنسان وحده يحمل سيرته، فإن كانت طيبة سبقته إلى القلوب، وإن كانت سيئة سبقته إلى ألسنة الناس.
فاجعل قلبك أكبر من منصبك، وأخلاقك أعلى من مكانتك، وتواضعك أوسع من صلاحياتك. عامل الناس كما تحب أن يعاملك الله، واعلم أن الكلمة الطيبة قد تبني ما تعجز عنه القرارات، وأن الابتسامة الصادقة قد تفتح من القلوب ما لا تفتحه المناصب.
فالقلوب لا تُقاس بالمناصب، ولا تُشترى بالنفوذ، ولا تُفتح بالأوامر، وإنما تُفتح بالرحمة، وتُملك بالتواضع، وتبقى عامرة بأصحابها بالإحسان. ومن أراد أن يخلده التاريخ، فليبحث عن مكانه في قلوب الناس قبل أن يبحث عن مكانه فوق الكراسي، لأن الكراسي إلى زوال... أما المحبة الصادقة، فهي الإرث الوحيد الذي لا يسقط بالتقادم ولا يمحوه الزمن.

حسين السمنودى القلوب لا تُقاس بالمناصب الجارديان المصريه