الثلاثاء 19 أكتوبر 2021 02:16 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الدكتور محمد على ماهر يكتب : العمق الإقليمي الإستراتيجي لمصر الأفريقية (البحر والنهر)

الدكتور محمد على ماهر
الدكتور محمد على ماهر

تتمتع المحروسة بين جيرانها الأفارقة بثقل وعمق إقليمي وإستراتيجي صورها المفكر الجغرافي د/ جمال حمدان في كتابه عن شخصية مصر- الجزء الرابع الذي عالج فيه عبقرية المكان، ذكر فيه موقع مصر الجغرافي وموضعها بين الدول الأفريقية ولا سيما المتاخمة لها او تعلوها بما يزكي علاقة حميمة تتضمن جذورًا تاريخية، وقد تجلى ذلك خلال الكشوفات الأثرية التي تركها لديهم المصريين القدماء أثارًا أوضحت حجم التبادل التجاري والثقافي مع أبناء القارة السمراء، هذه القارة الغنية حاباها الله تعالى بالثروات الطبيعية والنفط والتربة الخصبة مما جعلها مطمعًا للدول الإستعمارية تتكالب عليها لإغتصاب ونهب ثرواتها طيلة القرون الأربع الاخيرة.

في حقبة الستينات من القرن المنصرم دعم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حركات الإستقلال للدول الأفريقية المحتلة الامر الذي من شأوه جعل الدول الإمبريالية الكبرى تخوض حربًا ضروس ضد سياسات عبد الناصر تجاه القارة الأفريقية، لإسترداد ما إعتبروه حقهم المكتسب والذي نال من إقتصادياتهم إلى الإنهيار؛ خاصة بعد أن تكبدوا أموالاً طائلة وإنهارت بنيتهم التحتية بما خلفته الحرب العالمية الثانية عليهم من خسائر فادحة في الارواح والممتلكات.

وعقب صدور قرار تأميم قناة السويس الذي أكد ان من يملك تقرير مصيره يساند غيره لنيل ذلك الحق المسلوب من الدول التي إحتلوها وإزلوا اهلها وجلبوهم إلى سوق النخاسة واسترقوهم وجنوا من ورائهم ثراءً فاحش، وأقصوا من دول كانوا يستهزئون بقومها ويعتبرونهم ضمن رقيقهم الذين يذهبون مع سيدهم لأي بقعة تنبت بها صلة المستعبد عن اهله، ويستغله المستعمر بما يهدر كرامته فيستصلح أرضًا مغتصبة من سكانها الأصليين الذين ابادوهم وهجروهم.

نشطت حركات التحرر الأفريقية بفضل الزعيم الراحل، وإستشاط غضب المستعمر الغاشم وتحالف في عدوان ثلاثي وهجم بأقصى درجات الشراسة، إعتراضًا منه على قرار التأميم وإنفلات زمام افريقيا من يديه، بيد أن سنن الله في الكون تتغير، وتدور الرحى بما لا تشته الطوايا، فقد بزغ نجم دولاً اقوى خلفتها الحرب العالمية بعد أن وضعت أوزارها، وتداولت الزعامة الدولية فآلت لهم، فحكموا على العدوان بالإنسحاب فورًا وإلا سيفتكون بهم فإمتثلوا.

ورحل المحتل ناكصًا على عقبيه يجر ذيول الخيبة في البحر، وفرضت مصر سيادتها على قناة السويس، هذا الممر الملاحي إمتداد البحر الأحمر تطل عليه دولاً أفريقية وقعت تحت وطأة الإستعمار، ومنذ ذلك الحين والمؤامرات الدولية تحاك من قوى الشر حتى تسترد القناة مرة أخرى، فتحين الفرصة المواتية لإنقضاضه وأحدث نكسة مخزية اغلقت على إثرها عدة سنوات، وإندلعت حرب الإستنزاف التي اعادت الوطن لتوازنه، وإسترد الجيش عافيته وإندمل الجرح.

ولما أشرقت حقبة السبعينات، وإستكمل الرئيس الراحل محمد أنور السادات المهمة التي بداها الزعيم الراحل في إعادة بناء القوات المسلحة، وكان عبور القناة ونصر أكتوبر الذي أفقد العدو توازنه، وسقطت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وأعيد إفتتاح القناة مرة ثانية، وإستمرت تؤدي عملها بإمتياز في عصر الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، حتى أستردت سيناء أرض الممر.

مرت البلاد بفترة من أحلك فتراتها عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير، إثر وثوب جماعة آثمة مدعومة من قوى الإستعمار القديم على السلطة، ومنذ تلك اللحظة إختلت تدريجيًا مكانة مصر التاريخية لدى الدول الافريقية، إلى أن اعادتها ثورة الثلاثين من يونيو بفضل الشعب العريق بالتفافه حول قائده المشير عبد الفتاح السيسي فقاد الثورة ضد عصابة الظلام والإنحطاط وأقصاهم عن السلطة، ومنذ تلك اللحظة اخذ يسترد مكانة مصر التاريخية ورصيدها لدى الدول الافريقية وترأس الإتحاد الأفريقى، وقام بتطوير القناة بشق فرع آخر، ولم تهدأ الدسائس حوله بل حاولت إحدى سفن الحاويات تعطيل الفرع، لكن مهارة الملاحين الفائقة سيرت السفينة.
ولما كان نهر النيل شريان الحياة وهبة الله لمصر والمصريين، والذي تسري منابعه وتتدفق من دولاً افريقية تمثل عمقًا أقليميًا لمصر بإعتبارها هي وجارتها السودان الشقيق دولتا المصب، والتي ارسل الوالي محمد علي بعثة مصرية للكشف عن تلك المنابع، وإستولى عليها دولتي العدوان والإستعمار إنجلترا وفرنسا، وإعتبرها الإستعمار الإنجليزي ورقة ضغط على الحكومة المصرية في عهد الأسرة العلوية، لتصير تبعيتها للدولة التي لا تغيب عن مستعمراتها الشمس، وقد ظهر ذلك جليًا إبان بناء السد العالي فرفض تمويله البنك الدولي، لما جرى من ممارسات قوة تأثير الراي العام العالمي الذي هيمن عليه تحالفًا بين الإستعمار القديم والولايات المتحده.

كانت هناك قوى اخرى ترقب الموقف بينما لم يتم منح مصر التمويل اللازم لإستكمال بناء السد الضروري لحماية مصر من اخطار الفيضان، وتولى تمويل السد الإتحاد السوفيتي، فإكتمل بناء السد فأثار ذلك حفيظة الولايات المتحده لإن ذلك يؤجج الحرب الباردة بينها وبين الطرف السوفيتي فانابت عنها اسرائيل، التي تسللت إلى أثيوبيا كي تقنع الطرف الأثيوبي بأحقيتها في توليد الكهرباء وزيادة مساحة الرقعة الزراعية وتشييد مشروعات البنية التحتية، وان مصر ليس لها ان تطالب بحصتها في المياة البالغة خمسة وخمسون مليار متر مكعب، لأن تلك الإتفاقية وقعتها دول حوض النيل (العنتيبي) أثناء فترة الإستعمار القديم في عشرينات القرن الماضي.

ويتساجل البعض اين كنا نحن من افريقيا وتحديدًا من دول حوض النيل خلال السنوات الخمسين السابقة، ولماذا تركنا المجال يسيرًا لدسائس المتآمرين على مصر يوقظون التطلعات التنموية في حكومات وشعوب دول المنابع على حساب دول المصب، ويظهر هذا الفارق بوضوح عندما نقارن بين إهتمام قيادة بالشأن الأفريقي وإنصراف قيادة اخرى عنها، ففي الحقبة الاخيرة من نظام حكم الرئيس الراحل حسني مبارك إستسلم للضغوط الأمريكية والإسرائيلية لتنحية مصر عن الريادة الافريقية، ومع الإقرار أن الدور الإقليمي في القارة قد تغير، إلا ان الحكومات المصرية المتعاقبة لم تتخلى عن مسئوليتها وإهتماماتها بالمصالح الكثيفة عن الجانب الأفريقي.

وبرهان ذلك عمليًا ان الجانب الدبلوماسي المصري يسعي سعيًا حثيثُا على تفعيل العديد من الإتفاقيات والمشروعات مع عدد من البلدان الافريقية، ونفذت العديد من جوانب التعاون الإقتصادي والعسكري، وعقد المؤتمرات للشباب، وبعض هذه الدول تدخلت في الوساطة بالفعل مع أثيوبيا التي يصر رئيس وزرائها على الملء الثاني لسد النهضة، ويماطل في تنفيذ الإتفاقية العتيقة، ولا يسعى لتعديلها على مائدة المفاوضات مع كلا الطرفين المصري والسوداني، ترافق المراوغة تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي انه لا يهدد ولا يتوعد لأحد، ولكن إذا جرى المساس بملي متر مكعب من حصة مصر المائية، سيجلب عدم الإستقرار للمنطقة بالكامل.

وبالتالي فإن الفلسفة المصرية المتبعة رشيدة ومسالمة، هي فقط تطالب بحقها المائي المكتسب منذ ردح بعيد، واثيوبيا تدير مناوشات لكسب الوقت تمهيدًا للملء الثاني للسد بحجة تشغيل توربينات مولدات الكهرباء بتدفق المياة، ولو إفترضنا صحة الحجة فلماذا جرى الحديث عن بيع حصة المياة إلى مصر، وإلغاء الإتفاقية السابقة من الجانب الاثيوبي دون موافقة دول المصب، لاسيما وان سد الروصيرص السوداني تضرر من الملء الأول للسد، والتحليل لهذا التصرف ليس له الا تفسير واحد، وهناك اطرافًا اخرى تضرم المشكلة وتزيدها تعقيدا، عقب زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي وإتفاقه مع نظيره الاثيوبي، لم يبقى إلا إعتقاد جازم كلنا ندرك معطياته !!!

٭ ٭ ٭