الإثنين 20 سبتمبر 2021 05:16 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حضارات الشرق القديم تسطع من جديد

الدكتور محمد علي ماهر يكتب : (بزوغ القوميات وسقوط الأيديولوجيات)

الدكتور محمد علي ماهر
الدكتور محمد علي ماهر

يقول المولى عز وجل في محكم آيات الذكر الحكيم (كَمَا بَدَأنَا أَوُّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إنَّا كُنَّا فَاعِلينَ) الأنبياء الآية 104، ومن ثم من خلال دراسات وبحوث أعدها وأجراها علماء الأنثروبولوجيا- علم دراسة الأجناس- في الولايات المتحده بالتعاون مع العلماء الاوربيين عن صعود الحضارات القديمة مما يستتبع إضمحلال حضارتهم ثم فنائها، ولذلك ليس غريبًا على علماء الإجتماع السياسي اليهود الأمريكيين المحدثين أمثال برنارد لويس وصامويل هانتجتون ونعوم شومسكي وفرنسيس فوكوياما أن يتوقعوا نهاية التاريخ العالمي الحالي إثر حرب عالمية نووية عظمى ستقضي على الأخضر واليابس، وتحل محلها حضارات الشرق القديم.
ولعل السينما الأمريكية قد صورت ذلك المشهد في العديد من الأفلام الوثائقية والأعمال الدرامية او افلام الخيال العلمي، ربما يعكس ذلك ما يحدث الآن من التجبر الامريكي والتلويح بإستخدام القوة كنتاج طبيعي لما يتصوره علماءهم ورد فعل بشري لمقاومة الناموس الإلهي وحركة الكرة الأرضية الدوارة وعجلة التاريخ التي تسحق أقوام وتستبدلهم بآخرين؛ مصداقًا لقوله تعالى (إنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مثْلُهُ وتِلْكَ الأَيَّام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس) آل عمران الآية 140
ونستنبط ذلك من ضمن معطياتهم المغلوطة إن القوى القديمة التي تستحق النهوض الآن هي القوى الصهيونية لإن لها ركيزة وجذورًا تاريخية من الماضي السحيق؛ فالدولة اليهودية هي اول دولة قامت على أساس العقيدة، قبل أن يتم تشتيتها عقب الأسر البابلي، ألا تلحظون ما فعلوه بالعراق فقد كانت هي السبب الرئيسي للقضاء على نفوذ مملكتي يهوذا والسامرة في الماضي ببطش الملك البابلي العراقي بختنصر أو نبوخذ نصر الثاني الذي شتت اليهود واطاح بدولتهم وإستأصل شأفتهم وأذلهم وسباهم إبان الأسر البابلي، ربما يوضح لك لماذا تم نهب وسلب الآثار والتي توثق لتلك المعارك حتى يتسنى لهم تزوير التاريخ وترويج القصص المزيفة كعادتهم.
ولقد أنبأنا الله تعالى بما ذكره في القرآن الكريم من آيات صعود الدولة اليهودية مرة أخرى في نهاية الزمان بقوله عز من قائل (وَقَضَيْنَا إلَى بَنِي إسْراِئِيلَ في الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرضِ مَرَّتْينِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) الإسراء الآية 4، كما بيَّن الحق كيف سيتجمعون في موضع واحد بقوله تعالى (وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِيَ إسرَائِيلَ إسكُنُواْ الأًرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ اَلآخِرَةِ جِئْنَا بِكُم لَفِيفًا) الإسراء الآية 104، وهذا فعليًا ماحدث عقب إتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود، والحديث يطول عن الخوض في إنتهاكاتها المخضبة بدماء الأبرياء وفسادها المروع.
كما إن المتأمل من حضراتكم سيجد ان ثمة حضارة أخرى من حضارات الشرق القديم تعتبر محل جدل خطير في الولايات المتحدة والإتحاد الاوروبي هي الدولة الفارسية او بلاد فارس شاهنشاي إيران وهو الإسم التاريخي للمنطقة التي قامت عليها الإمبراطوريات والدولة الفارسية بثوبها الشيعي الذي إنفصل عن الكردي اللتان كانتا قومية واحدة وإنفصلتا عبر الزمن وإن كانت اللغتان مازالتا متشابهتان لكنهما إنفصلا إلى قوميتان الصفوية التي تشكل إيران والكردية المبعثرة بينها وبين تركيا والعراق وسوريا، وهي تكافح من أجل الإستقلال وتكوين دولة قومية.
نعود للحديث عن القومية الإيرانية لنجد أن الإمبراطورية الفارسية تاسست على يد كورش قبل التقويم الميلادي بأكثر من خمسمئة عام، وعرفت بدولة الفرس أو الكسورية، وعدت من أعظم واكبر الدول التي سادت المنطقة قبل الفتوحات الإسلامية، ويقال أنها فاقت الإمبراطورية الرومانية والبيزنطية شهرة ووصلت لأوج فحولتها في عصر الدولة الساسانية التي حكمت إيران في القرن السابع الميلادي، وكون الفرس مادة الإمبراطورية فاخضعوا الترك في بلاد ماوراء النهر، والعرب في العراق، وحدودها الغربية غير مستقرة لكونها متاخمة للإمبراطورية الرومانية المتواجدة في الشام، ظلت الحرب سجالاً فتارة تهزم الروم او تنهزم منهم.
ولقد انبانا الله تعالى بنتيجة تلك الحرب مسبقًا قبل ان تضع اوزارها لان الكفار كانوا يغيظون المسلمين بهزيمة اهل الكتاب على يد المجوس عبدة النار في سورة الروم بقوله تعالى (الَمَ غُلِبَتِ الرُّوم فِي اَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِنْ بَعدُ غَلَبِهِم سَيَغلِبُونَ فِي بِضعِ سِنِين لِلهِ الأَمْرَ مِن قَبلُ ومِن بَعدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفرَحُ اَلمُؤمِنُونَ) الروم الآيات 1: 4، ظل الساسانيون أقوياء حتى الفتح الإسلامي على يد الصحابي سعد ابن ابي وقاص فكان النصر الحاسم في معركة القادسية التي انهت سيطرة الساسانيين على الجبهة الغربية لفارس، فانتقلت ولاية بلاد فارس إلى الخلافة الإسلامية وظلت تابعة لها حتى تاسيس الدولة الصفوية التي تتبنى المذهب الشيعي على يد إسماعيل الصفوي.
وفي العصر الحديث في النصف الثاني من القرن العشرين برزت طبقات إجتماعية معارضة اخذت في الإتساع بين صفوف المثقفين والعمال فيما تزايد الفساد وعدم المساواة في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، فتضاعفت الراديكالية السياسية بين الجماهير، وأسفرت عن ظهور فقهاء للمذهب الشيعي اعادوا تفسير الشريعة، وطرحوا شكلاً جديد للحكومة الإسلامية على يد علي شريعتي والخميني، تداعت الأحداث الدراماتيكية، وإزدادت الإحتجاجات في بلدة قم مما ادى إلى فرار الشاة إلى الخارج، حتى وصول الخميني الذي كان منفيًا في فرنسا، وقاد الثورة بشرائط الكاسيت، ونجحت الثورة بفعل تيار الإسلام السياسي الذي فرض مذهب ولاية الفقيه، ودشنت الحرس الثوري الإيراني، ومن بعده ميلشيات حزب الله والحوثي التابعة له، وبذلك صارت إيران الدولة التي دمجت قوميتها الفارسية مع أيديولوجيتها الدينية لنشر المذهب الشيعي.
تجاور تلك الدولة المارقة دولة اخرى تتبنى الايديولوجية الشيوعية، وهي دولة روسيا التي تبقت عقب تفكك دول الإتحاد السوفيتي في الحرب الباردة، كانت فيما مضى تتبنى مذهبًا قوميًا وتدين بالديانة المسيحية الارثوذكسية في عصر روسيا القيصرية، حتى تحولت بعد الثورة البلشفية- الأغلبية-الى المذهب الماركسي- نسبة إلى كارل ماركس- او الشيوعية القائمة على هيمنة الدولة وإحتكارها لأدوات الإنتاج، والتي ذكرها المولى عز وجل في رحلة ذي القرنين بقوله عز من قائل (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَومٍ لَّمْ نَجْعَل لَهُم مِن دُونِهَا سِتْرًا) الكهف الآية90، وحاليًا ترتد شيئًا فشيئًا إلى قومية الاسلاف بعد فشل الشيوعية في تحقيق الرخاء.
وعلى الرغم من تبني جمهورية الصين الشعبية للأيديولوجية الشيوعية بعد نجاح ثورة ماوتسي تونج في خمسينات القرن الماضي، بيد انها في اواخر سبعينات القرن المنصرم، غيرت من نهجها وراحت تزكي من قوميتها وحضارتها البائدة وتدمج تعاليم مذهبها الكنفوشيوسي.
وقد نشأت هذه الحضارة في حوض نهر هوانج قبل الف وخمسمئة سنة قبل الميلاد، إتسعت دائرة الحضارة في عهد الإمبراطور تشن، وقد عني اهلها بالزراعة، وافادوا من مياة الانهار لري حقولهم، واقاموا السدود لحماية هذه الحقول، ولقد إبتكر الصينيون ابجدية خاصة بهم، وإهتموا بالآداب وتصنيف الكتب، وينسب إليهم اول قاموس معروف، ومن الحضارة الصينية إستمدت كلتا الحضارتان اليابانية والكورية لاسيما الشمالية او الجنوبية التواقة إلى الوحدة، شتى عناصرها، ولقد دامت الإمبراطورية الصينية اربعة آلاف سنة دون أن يطرا عليها تغير يذكر في القوانين او العادات او اللغة او في أزياء الاهالي مما يعكس الأصالة واحترام التراث.
ويعد حكماء الصين اعمق فلاسفة العالم، أشهرهم بالطبع الحكيم كنفوشيوس، ونراهم يجمعون قولا على أن أجانب اوروبا والولايات المتحدة برابرة وهمج، ولعل هذا اللفظ اثار حفيظة الاوربيين وإشترطوا عليهم في معاهدة رسمية ان يصلحوا لفظ البربري إلى اجنبي، ولقد ذكر الله تعالى عنهم هذه المقولة حيث ذهب اغلب الفقهاء أن قبيلتي يأجوج ومأجوج يحتمل ان تكون قبائل صينية لأن الموقع يقترب من سور الصين العظيم، لقوله تعالى (حَتَّىَ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ اَلسَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لاَ يَكَادُون يَفْقَهُونَ قَوْلاَ) الكهف الآية 93.
بينما نشرت جريدة التايمز الأمريكية ان الصين في الالفية الثالثة لديها مجالات جديرة بالدراسة من الولايات المتحده، بفضل ثقافة إحترام المسنين ورعايتهم؛ فإن المجتمع الصيني له قوة تماسكية شديدة، حيث يرعى كبار السن الأطفال وفي المقابل إذا كبر الأطفال عنوا بوالديهم، مما يجعل الأسرة الصينية أكثر ترابطًا والفة، كما يعرف عنهم مساعدتهم للاسر الفقيرة المحتاجة منذ عصر الإمبراطور تشن، فضلاً عن إحتياج البلد الكبير الواسع المساحة والمتعدد القوميات والكثير السكان إلى العلاقات الطيبة بين الأسر، وربما هذا هو السبب الجوهري إلى تسارع معدلات النمو حتى اضحت قوة إقتصادية عظمى، ومايفسر أيضًا كيف تغلب سكان مقاطعة يوهان على جائحة كورونا في الوقت التي كانت تحصد الالاف في العديد من الدول.
ومن حضارة الصين ننتقل إلى جيرانهم الهنود الذين يعدون المثل الأعرق والمثالي لحضارة متراصة في كل عصور التاريخ، نشئت تلك على ضفاف نهر إندوس الموجود في بلاد السند شمال غرب الهند، وهندوستان كلمة فارسية تعني بلاد النهر، وسندهو كلمة سنسكريتية تعني بلاد السند، ودهارتي تعني الارض الطيبة، وشعب الدرافيديون الهنود شعب عريق، كما أن إختلاطهم مع الآريين الهنود هو الطابع المميز للحضارة الهندية عما عداها، ويبدو هذا جليًا ان عنصر الإندماج الذي يخلق الإتصال بين الحضارات الإنسانية، لأن التآلف خلق تمازجًا بين الثقافات، وذلك مصداقًا لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّا خَلَقنَاكُم مِنْ ذَكَرٍ وأُنثَى وَجَعْلنَاكُم شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنْ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله اَتقَاكُم إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات الآية 13، ومنذ نيل الهنود إستقلالهم من الإنجليز بفضل المهاتما غاندي الهندي الأصيل، وهم يسيرون على هدي الأيديولوجية الرأسمالية لكنهم لم يفقدون السمات الهندية الأصيلة المصتبغة بها هويتهم.
ولقد تأكد ذلك عندما تحالف الرئيس الراحل نهرو مع الرئيس الراحل عبد الناصر واسسوا حركة لا تتبنى أي ايديولوجية وكنُّوها الحياد الإيجابي وعدم الإنحياز، وعلى الرغم من تأييد الرئيس الراحل السادات للأيديولوجية الرأسمالية الأمريكية، إلا انه أكد مدى التزامه بالقومية المصرية إبان توقيعه إتفاقية كامب دافيد في سبعينات القرن الماضي، ويعتز الرئيس السيسي بهويته وقوميته المصرية، ويظهر هذا في مواقفه عقب رفع شعار تحيا مصر، وقضاءه على جماعات الاسلام السياسي، وتطوير الجيش المصري، وتدشين العاصمة الإدارية الجديدة، وإبراز المظهر الحضاري لمصر القديمة أثناء نقل مومياوات إثني وعشرين ملك إلى متحف الحضارة بالفسطاط في ظل مناخ آمن قدم صورة صادقة لمصر أول دولة قومية شكلت حضارة للتاريخ الإنساني التي خصها الله تعالى بقوله (إِدْخُلُوا مِصرَ إِن شَاءَ الله آمِنِينَ) يوسف الآية 99.