الإثنين 4 مارس 2024 07:00 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور علاء الحمزاوى يكتب : قـــراءة تفسيرية لسورة العلق (4)

الدكتور علاء الحمزاوى
الدكتور علاء الحمزاوى

ــ بيّن ربنا أصل خلق الإنسان في قوله تعالى: {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ}، وقد ربط ذلك بالقراءة ليُظهر لنا أهمية العلم في الإيمان بالله من خلال معرفة مراحل خلق الإنسان، ولعل العلم المقصود هو علم الطب.
ــ بعد ذلك أكــد القرآن على أهمية العلم والقراءة للبشر مبيّنا فضل الله وإنعامه عليهم في ذلك، فقال: {اقــرأ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ}، وقد اختلف العلماء في دلالة الفعل {اقــرأ} هل هو توكيد للفعل السابق أو تأسيس لمعنى جديد؟ فقيل: هو توكيد للحـث على طلب العلم، وفي الفعل إشارة إلى أن الأمة الإسلامية مطالَبَة بأن تكون أمة علم ومعرفة لتكون صاحبة سيادة، وقيل: هو تأسيس لمعنى آخر، فلكل فعل منهما دلالته، واختُلِف في تلك الدلالة، فقيل: المراد من الفعل الأول النَّبيُّ نفسه والمراد من الفعل الثاني الأُمَّـة، وقيل: المراد {اقــرأ} لنفسك أولا ثم {اقــرأ} للتبليغ ثانيا، أي اقــرأ للتعلّم ثم اقــرأ للتعليم، وقيل: المراد اقــرأ في صلاتك ثم اقــرأ خارج الصلاة.
ــ ثم ربط القرآن القراءة بالكرم الإلهي، فقال تعالى: {اقــرأ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ}، وكلمة {الأكرم} صيغة تفضيل معرفة تدل على أن الله لا مثيل ولا مقارب له في الكرم، فهناك كريم وهناك أكرم وهناك الأكرم، أي الأوحد المتفرد في الكرم، والله أهل لذلك التفرد، والكرم هنا بمعنى العون أو بمعنى الإنعام والإحسان، أي اقــرأ يا محمد وربك يتكرم عليك بالنِّعَم فيعينك على الفهم والحفظ وإن كنت أُمِّيا، ويُستنبَط من ذلك أن طالب العلم يُرزق عون الله ومعيته، أو {اقــرأ} وربك ذو الإنعام والإحسان والحِلم والصبر والتجاوز عن ذنوب عباده، فلم يعجل بعقوبتهم بسبب طلبهم للعلم، وهذا معناه أن الله يغفر لطالب العلم لعلو منزلته عند ربه، وهو ما أشار إليه الحديث النبوي "مَن سلَكَ طريقًا يلتَمِسُ فيهِ علمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طريقًا إلى الجنَّةِ، وإنَّ الملائِكَةَ لتَضعُ أجنحتَها لطالِبِ العلمِ رضًا بما يصنعُ وإنَّ العالم ليستغفِرُ لَهُ مَن في السَّمواتِ ومن في الأرضِ حتَّى الحيتانِ في الماءِ ، وفضلَ العالمِ على العابدِ كفَضلِ القمرِ على سائرِ الكواكبِ".
ــ ثم بيَّن ربنا أن من مظاهر الكرم الإلهي على البشر أنه هو الذي علَّمهم القراءة والكتابة، فقال تعالى: {الَّذِي عَلَّمَ بالْقَلَمِ}، فالمراد من القلم الكتابة، والقلم كناية عنها، فلا تتحقق الكتابة بدون القلم، ولا قيمة للقلم بدون الكتابة، وهي نعمة من الله على البشر؛ لأنها تقييــد للعلم، ففي الأثر "قيِّدُوا العلم بالكتابة"، وعن طريقها يتم التفاهم بين الناس مهما بعُدت المسافات بينهم، وبها يتم ضبط العلوم والمعارف، وبها تعرف الأمور الغائبة، وبها يُعرَف تاريخ الأمم وأحوالهم، وبها تحفظ العقود والحقوق، وفي الآية إشارة إلى أن الله الذي علّم الإنسانَ البيانَ قادرٌ أن يعلّم النبي وهو أميّ، ليكون ذلك من معجزاته الدالة على صدقه؛ لأنه غالبا ما ترتبط الأمية بالجهل ويرتبط العلم بالقراءة والكتابة، غير أن هناك وسائل أخرى للتعليم كالتلقين والإلهام والوحي.
ــ ولأهمية القلم والكتابة أقسم الله بهما في قوله تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}، وقد رُوي عن ابن عباس "إن أولَ ما خلق اللهُ القلمُ، قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب القدَر، فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى يوم قيام الساعة"، وعن ابن عمر أن "الله خلق أربعة أشياء بيده: آدم والعرش والقلم وعدْن، ثم قال لسائر الخلق: كن فكان"، وجاء في الأثـر أن "الأقلام ثلاثة أنواع: قلم خلقه الله بيده، وهو يكتب ما شاء الله له، وأقلام الملائكة يكتبون بها مقادير العباد وأعمالهم، وأقلام الناس يكتبون بها ما يريدون"، والعرب أقل الأمم معرفة بالقراءة والكتابة.
ــ ثم امتنَّ الله على البشر، فشـرَّفهم بالتعليم بعد الجهل، فقال تعالى: {عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}، أي علّم الإنسان بالقلم وبغيره ما لم يكن يعلمه من قبل؛ لأن الإنسان خُلِق جهولا بكل شيء وفقا لقوله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا}، والفعل {علَّم} إما توكيد للفعل السابق في قوله تعالى: {الَّذِي عَلَّمَ بالْقَلَمِ}، فتكون الجملة (الذي علّم الإنسانَ بالقلم علّمه ما لم يعلم) أو هو تأسيس لمعنى جديد، فتكون الجملة الأولى مطلقة تشمل البشر وغيرهم من الخلق، وتكون الجملة الثانية خاصة بالبشر تشريفا لهم، والعلم هنا مطلق النوع والزمان والمكان، فيشمل كل العلوم في كل مكان إلى يوم القيامة، والخطاب عام لكل البشر، لكن الله اختصّ به النبي وشرَّفه به في قوله تعالى: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ}؛ ليؤكد له أن هناك وسائل أخرى للتعليم غير القراءة والكتابة، أهمها للنبي الوحي والإلهام، وذلك من فضل الله على النبي؛ لذا قال الله له: {وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا}، وللحديث بقية.