الثلاثاء 5 مارس 2024 01:55 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الدكتور علاء الحمزاوى يكتب : قـــراءة تفسيرية لسورة التين2

الدكتور علاء الحمزاوى
الدكتور علاء الحمزاوى

ــ {وَطُورِ سِينِينَ} الواو للعطف، والطور مقسَم به معطوف، وقد أقسم الله بطور سيناء مرتين: في قوله تعالى: {وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ} وفي قوله تعالى: {وَطُورِ سِينِينَ}، والقسَم به يعني أنه مكان عظيم مبارك، وأعظم بركة حلّت به كلام الله لنبيه موسى، وقد بيَّنه قوله تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى..}، وطوى وادٍ بالطور، والأمر بخلع النعل فيه يدل على أنه مكان طاهر مبارك، وقد كلَّمه الله حقيقة بصوت سمعه موسى ولغة فهمها؛ لأن الفعل مؤكد بالمصدر في قوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا}، وقد أجمع علماء النحو على أن التأكيد لا يجتمع مع المجاز، فدل ذلك على أنه كلَّمه حقيقة.
ــ لكن هل الطور هو الجبل الذي تجلَّى الله له حينما قال موسى: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْك قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ}؟ قوله: {لن تراني} نفي للرؤية في الدنيا؛ لأن تكوينه البشري لا يتحمل ذلك، وإنما في الجنة يرى المؤمنون ربهم وفقا لقوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}، حيث يتغيَّر تكوينهم الخلْقي، و{تجلَّى} ظهر نوره على الوجه اللائق بجلاله وعظمته، و{دكّـا} من الفعل (دكَّ) بمعنى هدَّم وفتَّت، وخـرَّ صعقا: سقط مغشيا عليه، وتعبير {أول المؤمنين} لا يعني أن موسى أولهم على الإطلاق، فقد سبقه مؤمنون كُثُر منذ آدم، إنما هو أول المؤمنين في قومه، وقد اختلف العلماء في الجبل، فقيل: هو جبل دكَّـه الله أي هدمه وفتته فغار في الأرض ولن يعود، وقيل: هو جبل الطور دكَّه الله ثم أعاده مرة أخرى، ولعل ذلك هو الأرجح؛ فالله قادر على ذلك.
ــ {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} الواو للعطف، وما بعده معطوف مقسَم به، وتعدُّد القسَم تأكيد على أهمية الغرض الْمَسُوق له الكلام، وإطالة القسَم تشويق إلى الْمُقْسَم عليه، و{البلد الأمين} مكة، و{هذا} اسم إشارة للقُـرب والتعظيم، والمراد قربها المادي والمعنوي من رسول الله، فهو كان في مكة وقت نزول السورة، وهي أقرب البلاد إلى قلبه، وهذا يفسر مقولته: "إنك لأحب البلاد إليَّ"، وتعظيمها عند الله، ومن مظاهر تعظيمها أن الله جعلها بلدا آمنا استجابة لدعوة إبراهيم {رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا}، وبها الْبَيْت الْحَرَام {مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا}، وقد ذكر القرآن ثلاثة أماكن آمنة دائما: الجنة؛ حيث قال تعالى: {وهم في الغرفات آمنون}، ومصر حيث قال: {ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين}، ومكة حيث قال: {وهذا البلد الأمين}.
ــ ومن مظاهر الأمان في مكة أن الله حـرّمها على جميع خلقه تعظيما لها، فجاء في الحديث "إن الله حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحِلّ لأحد قبلي، ولن تحِلّ لأحد بعدي، ولم تحِلّ لي إلا ساعة من نهار، فلا يُقطع شجرُها ولا يُنفَّـر صيدُها، ولا تحِلّ لُقَطتُها إلا لمُنْشِد" أي لا تحِلّ اللقطة إلا لمن يريد أن يعلن عنها للناس لمعرفة صاحبها، لكن إذا نوى أن يمتلكها فلا تحلّ له، وقد أحل الله مكة للنبي يوم فتحها من طلوع الشمس إلى العَصْر، وهو وقت القتال عند العرب، وكان النبي بجيشه جاهزا للقتال إذا منعه الكفار من دخول مكة.
ــ والجمع بين {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} و{طُورِ سِينِينَ} و{هَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} في موضع واحد يشير إلى الربط بين الشرائع السماوية، فهي شرائع متكاملة يُكمِل لاحقُها سابقَها؛ وهذا هو معنى قول النبي: "مَثَلي ومَثَلُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلي كمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنى بُنْيانًا فأحسَنَه وأكمَلَه إلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِن زاوِيَةٍ مِن زواياه، فجعَلَ النَّاسُ يَطوفون به ويَعْجَبون منه، ويَقولون: ما رأَيْنا بُنيانًا أَحسَنَ مِن هذا إلَّا مَوضِعَ هذه اللَّبِنَةِ، فكُنتُ أنا تِلْك اللَّبِنَةَ"، وقد أكد ربنا ذلك قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى}، وقد جمعت الآية أولى العزم من الرسل، وهم أبرزهم وأميزهم، وللحديث بقية.