الأحد 21 أبريل 2024 01:33 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور علاء الحمزاوى يكتب : قـــراءة تفسيرية لسورة التين(3)

دكتور علاء الحمزاوى
دكتور علاء الحمزاوى

ــ {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}، الخلق إيجاد من العدم بإتقان وإبداع استنادا إلى قوله تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} وقوله تعالى: (بديع السموات والأرض)، والمراد بـ{الْإِنْسَانَ} الناس جميعا؛ لأن (ال) فيه لبيان الجنس كما في قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}، واستعمال المفرد بدلالة الجمع أسلوب قرآني مألوف، كقوله تعالى: {والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ}، فأخبر بالجمع عن المفرد، والتقويم التجويد والتحسين، يقال: قومت الشيء تقويما جعلته على الصورة التي ينبغي أن يكون عليها في التحسين، والتقويم من القَـوام، وهو العدل والتسوية، قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ}، أي جعلك سويا قويما سليما خاليا من العيب والاختلال معتدلا في أعضائك بلا زيادة ولا نقصان، وحُسْن التقويم أجمله وأكمله، بل هو أجمل من القمر؛ لذا أفتى بعض الفقهاء لمن قال لزوجته: أنت طالق إن لم تكوني أجمل من القمر بأن طلاقه لا يقع، ومن حُسن التقويم الفطرة السليمة التي هي الدين الحنيف الذي خلق الله الإنسان عليه، ومن حُسْن التقويم أن الله منح الإنسان ما لم يمنحه لغيره من عقل راجح وإرادة وقدرة على تحقيق ما يبتغيه وبيان فصيح وعلم واسع.
ــ والجملة جواب القسَم، وكل ما أقسم ربنا عليه عظيم، ومع عظمته فهو أقل من الإنسان؛ لأنه أعظم عند الله من أي شيء آخر؛ فهو خليفته في الأرض، وجاء جواب القسم مؤكدا؛ لأن الناس ينكرون أنهم خُلقوا في أحسن تقويم، والمعنى الإجمالي أن الله أقسم بالتين الذى هو أفضل الثمار، وبالزيتون الذى يكفى الناس حوائج طعامهم وإضاءتهم، وبطور سيناء الذى كلّم عليه موسى، وبمكة البلد الأمين أنه خلق الإِنسان في أجمل صورة وعقل راجح وقدرة وإرادة وفطرة سليمة بحب الخير وكره الشر والإيمان بالله؛ لذا فالأصل في الناس الخير والعدل والحُسْن، وكان من دعاء النبي: "اَللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي".
ــ {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} ثم: حرف عطف مع الترتيب والتراخي، أي أن ردَّه جاء بعد مـدة من خلقه في أحسن تقويم، والجملة معطوفة على جواب القَسَم مقسَم عليه، والــردّ حقيقة هو إرجاع الشيء إلى مكانه السابق، ومجازا هو تصيير الشيء إلى حالة مخالفة لحالته الأولى، وهو المقصود في الآية، والسَّفْل نقيض العلو، وهو الانحطاط والانخفاض، و{أَسْفَل} الشيء قعره، وهو صيغة تفضيل بمعنى أشد سفالة، و{سَافِلِينَ} جمع (سافل) وهو الحقير الخسيس، و{أَسْفَل سَافِلِينَ} أسوأهم حقارة وانحطاطا، واختُلِف في المراد بالـردِّ إلى أسفل سافلين، فقيل: تصييرهم إلى الضَعف وأرذل العمر؛ قال تعالى: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْـًٔا}، وقيل: المراد به تصييرهم إلى الدرك الأسفل من النار لانحرافهم عن الفطرة السليمة، وهذا هو الأرجح من سياق السورة.
ــ {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات} استثناء للمؤمنين مما سبق، وجاز الاستثناء من الضمير المفرد في {رددناه}؛ لأن المراد به مطلق البشر، وهو استثناء متصل يقتضي المخالفة بين المستثنى والمستثنى منه في الوصف والكم، فيكشف لنا أن سبب الردِّ إلى النار الكفر، وأن المؤمنين في البشر قلة؛ لأن المستثنى أقــل من المستثنى منه، وهذا الاستثناء يحمل ترجيحا وتبشيرا .. للحديث بقية.