الثلاثاء 16 أبريل 2024 12:44 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم يكتب : فقه حب الرسول صلى الله عليه وسلم !!

الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم
الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم

من أراد أن ينال المرء درجات العارفين، ويحقق مراده في الدارين، فعليه بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحب رسول الله يكون بتباعه والاستهداء بهديه، وحب رسول الله طريق مؤدي إلي حب الله، وحب الله طريق لغفران الذنوب ، قال من تقدّست أسماؤه : (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم)، وإطاعة الرسول سبيل الهداية ، قال تعالي : (وإن تطيعوه تهتدوا)، وفي اطاعته إطاعة لله ، قال تعالي : (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ) و جاء في صحيح الإمام مسلم (والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار).
فالإيمان به وتصديقه في كل ما أخبر به شرط في صحة إسلام المرء ، ومحبته ركن عظيم من أركان الإيمان، إذ هي الركن الثاني بعد الإيمان بالله - عزّ وجلّ - فمن لم تتحقق محبته في نفسه ، حق المحبة ، لن تنفعه صلاة، ولا صيام، فقد جاء في صحيح مسلم ، أنه صلي الله عليه وسلم قال : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ) .
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذا السياق هو ، هل نحن نحب رسول الله أكثر من أولادنا واموالنا والناس أجمعين؟
هنيئا لكل من كان حب رسول الله عنده مقدم علي حب المال والولد و السكنى والعشيرة و متع الحياة .
وقد خاب وخسر وفسق كل من قدّم ذلك على محبة الله ورسوله، والجهاد، في سبيله ، قال تعالي : ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ).

كيف نحب رسول الله صلى الله عليه ؟ سؤال جوهري ومهم بيانه ، أقول : يتم ذلك بالتسليم بكل ما جاء به ، والرضي به ، لأن هذا التسليم والرضي شرط من شروط الإيمان به ، وعدم الرضى بما جاء به أو الاعتراض على شيء مما جاء فيه يعد من نواقض الإيمان ، قال تعالي : (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت، ويسلموا تسليما ).
انتبهوا أيها الأحباب إلي قسم الله تعالى ( فلا وربك) أنّهم ، ( لا يؤمنون حتى ) يكونوا موقنين في قلوبهم مذعنين في بواطنهم، ولا يكونون كذلك حتى (يحكموك فيما شجر بينهم) ، عندما تختلط عندهم الحقوق، فتبينها أنت لهم وتحكم بينهم ، _ بقولك وفعلك أو وفق سنتك _ ثم بعد أن تَحكم بينهم لا يجدوا في أنفسهم الضيق الذي يحصل للمحكوم عليه إذا لم يكن خاضعا للحكم في قلبه، فإنّ الحرج إنما يلازم قلب من لم يخضع ، ذلك بأن المؤمن لا ينازع أحدا في شيء إلا بما عنده من شبهة الحق، فإذا كان كل من الخصمين يرضى بالحق متى عرفه وزالت الشبهة عنه كما هو شأن المؤمن فحكم الرسول يرضيهما ظاهرا وباطنا؛ لأنّه أعدل من يحكم بالحق.

وعليه فنحن مأمورون بحب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، واتباع سنته وإعلاء شأنها في الحياة ، ونصره ونصر سنته بالنفس والمال والأهل ، قال تعالى : ( فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون )، ومن لم يحقق هذا المبدأ العظيم لا حظّ له في الدنيا والآخرة، وموعود من الله - تبارك وتعالى - بالخسران المبين، قال تعالى : (إنّ الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا.

وايذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يكون عن طريق توجيه النقص إليه في نفسه أو نسبه، أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرّض به ، أو الإزراء عليه، أو التصغير لشأنه، أو الغضّ منه والعيب له ، أو نسب إليه ما لا يليق به ، على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخفٍ من الكلام ، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائرة .
ويمكن إجمال القول ، بأن الإيذاء المشار إليه في الآية (إن الذين يؤذون الله ورسوله ) جاء مطلقا لم يقيده القرآن بأي شيء، ليبقى على أي نوع أو شكل يطلق عليه معنى الإيذاء، سواء كان بالإشارة أو التلميح أو التعريض.
وعلي ذلك نحذر أنفسنا من الوقوع في الإيذاء بأي شكل أو لون لما في ذلك من ولوج العذاب الأليم .
قال الله تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم)،
يروي في سبب نزول هذه الآية ، بأنه اجتمع ناس من المنافقين فيهم: جلاس بن سويد بن صامت ومخشي بن حمير ووديعة بن ثابت، وعندهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس فحقروه فتكلموا وقالوا: " لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير" ، فسمعها الغلام فغضب ، وقال: " والله إنّ محمدا لصادق وإنكم لشر من الحمير" ثم ذهب فبلغها النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعاهم فحلفوا بالله إن عامرا لكاذب وحلف عامر إنهم لكذَبة فصدقهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر:
اللهم لا تفرق بيننا حتى تبين صدق الصادق من كذب الكاذب وقد كان مخشي بن حمير قال لهم : " ويحكم يا معشر المنافقين والله إني لأرى أنا شر خلق الله وخليقته والله لوددت أني قدمت فجلدت مائة جلدة، وأنه لا ينزل فينا شيء يفضحنا." فنزلت الآية لتفضحهم وتؤكد على صدق قول غلام الأنصار.

ومن النماذج الواضحة على سوء عاقبة المستهزئين بالنبي - عليه الصلاة والسلام - ما وقع لأسرة كاملة كانت تقوم بإيذاء النبي - عليه الصلاة والسلام -، ولَحق هذه الأسرة الخزي في الدنيا قبل الآخرة، قال الله تعالى (تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى نارا ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب، في جيدها حبل من مسد).
نزلت هذه السورة في أبي لهب ، لقوله لزوجته أم جميل بنت حرب: إن محمدا قد هجا زوجك، وهجاك، وهجا ولدك، فغضبت وقامت فأمرت ولِيدتها أن تحمل ما يكون في بطن الشاة من الفرث والدم والقذر، فانطلقت لتستدل على النبي- صلى الله عليه وسلم- لتلقى ذلك عليه فتصغِره، وتذله به، لما بلغها عنه، فأُخبرت أنه في بيت عند الصفا، فلما انتهت إلى الباب سمع أبو بكر- رضي الله عنه - كلامها، وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- داخل البيت فقال أبو بكر- رضي الله عنه - يا رسول الله إنّ أم جميل قد جاءت، وما أظنها جاءت بخير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم خذ ببصرها، - أو كما قال -، ثم قال لأبي بكر- رضي الله عنه -: دعها تدخل، فإنها لن تراني، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر- رضي الله عنه - جميعا، فدخلت أم جميل البيت، فرأت أبا بكر- رضي الله عنه - ولم تر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وكانا جميعا في مكان واحد فقالت يا أبا بكر ، أين صاحبك؟ فقال: وما أردت منه يا أم جميل؟ ، قالت : إنه بلغني أنه هجاني ، وهجا زوجي، وهجا أولادي، وإني جئت بهذا الفرث لألقيه على وجهه، ورأسه أذله بذلك، فقال لها: والله، ما هجاك، ولا هجا زوجك، ولا هجا ولدك. قالت: أحق ما تقول يا أبا بكر !؟
قال: نعم ، فقالت: أما إنك لصادق، وأنت الصديق، وما أرى الناس إلا وقد كذبوا عليه.فانصرفت إلى منزلها وقلبها مليء بالكره لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فستحقت من الله مايليق بها .
وعليه فإن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وحماية جنابه والدفاع عنه من أوثق عرى الإيمان . فوالذي بعثه بالحق ، إني أحس أن كبدى تصير أشلاء متناثرة عند إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم بأي قول ، أو حتي من تخيل الجرأة عليه صلى الله عليه وسلم ، بإذائه في نفسه أو أهله .

فألا ما أكرم من بعثك رسول لنا .، فنحن أحبابك الذين أتوا بعدك وصدقناك ، أحببناك حد العشق ، أحببناك أكثر من أنفسنا واموالنا وأولادنا وأهلنا ، هِمنا على وجوهنا بحثا عنك ، الرجل الريفى البسيط وحتي المرأة المعيلة من أهل بلدتى ينفقوا ما ادخروه من الزراعة والتجارة طول العام فى السعي لزيارتك .

سيدى يا رسول الله ، نناشدك البارىء خالقَك : جُد علينا بوصال ، جد علينا بزيارتك والجلوس في روضتك الشريفة ، جُد علينا فى رؤيا قبل الزيارة .

سيدى يا رسول الله : ببابك نحن واقفون ننتظر الأذن ، حاملين رغبتنا في اللقاء . ولا يثنينا عن تلك الرغبة ، عدم امتلاكنا نفقات السفر الباهظة وتحمل أعباء المجيء ، بغيتنا رؤيتك ، فإذا رأيناك سنطلب منك صحبتك ومقابلتك على حوضك ، لتخفف عنا عناء اللقاء والحساب، فمهما كانت ذنوبنا سنبقى أحبابك بنو أصحابك .

سيدى يا رسول الله : ننتظر رؤياك لنشكو إليك ما نخافه ونخشاه ، فإذا تكرمت علينا بالرؤيا فأنت أهل لذاك ، وإن عُوقبنا بعدم الرؤيا سكبنا الدموع إزميلاً ينقر آيات حبك أسطراً على الخدود .نقوش كلمات شوق ووجد ، أملها الأوحد الكبير أن تقرأها يوم نلقاك فتعرفنا بها ..لكن مهما كانت ياسيدى حرارة الدموع ، ومهما خالطها من شوق وصدق ، سنبقى نحن المتوارون خجلاً منك ، مما فرطنا فى سنتك ، أو تقاعسنا عن نصرة قبلتك الأولي ، وموطن معراجك ، وأوكلنا الدفاع عن الأقصى للأطفال والنساء، أو أهملنا فى واجب دعوتك .
سيدى يا رسول الله : نبايعك على ما تبقى من أعمارنا علنا نحظى بشفاعتك يوم نلقاك ، نلقى بكل مافى قلوبنا من حب وخير وعطاء وإيمان ربَّا عنا راض غير غضبان ! فاللهم بلغنا بشوق العاشقين لحبه درجات العارفين العاملين. اللهم امين يارب العالمين.