الثلاثاء 23 أبريل 2024 09:32 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور علاء الحمزاوى يكتب : قـــراءة تفسيرية لسورة الشرح (4)

دكتور علاء الحمزاوى
دكتور علاء الحمزاوى

ــ كانت النعمة الثانية "وضع الوزر"، وفسَّرنا الوزر بثلاثة تفسيرات: الهموم التي أحاطت برسول الله، أو أذى الصحابة للنبي قبل إسلامهم، أو التصرفات البشرية للنبي التي عاتبه الله عليها لمخالفتها الأَوْلى.
ــ وأيّــا ما كان تفسير الوزر فقد كان ثقيلا على كاهل النبي، عبر القرآن عنه بقوله: {الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ}، أي أضعف ظهره فجعله هزيلا، أو أنه من شدة ثقله جعل ضلوعه تُحدِث صوتا خفيفا؛ فالإنقاض له معنيان: جعْلُ الشيء هـزيلا، وإحداث صوت خفيف نتيجة الثقل، وإسناد الإنقاض إلى الوزر مجاز؛ كأن الوزر شيء مادي ثقيل يحمله النبي على ظهره، وذلك للمبالغة في كثرة الأوزار، واختير الظهرُ دون سائر أعضاء الجسد؛ لأنه عماد البدن، واللافت أنه إذا كان وزر النبي قد أوهن عظمه وأضعف جسمه فما بالنا بذنوبنا نحن! فيجب أن نحاسب أنفسنا على ذنوبنا، ولتكن تجارتنا مع الله أقوى من تجارتنا مع الناس، فهي تجارة تنجينا من عذاب أليم.
ــ ثم انتقل الخطاب إلى الامتنان بالنعمة الثالثة على رسول الله، فقال تعالى: {ورفعنا لك ذكرك}، فكيف رفع الله ذكره؟ هذا السؤال وجّهه جبريل إلى النبي، ففي الحديث المرفوع "أتاني جبريل فقال: إن ربك يقول لك: أتدري كيف رفعتُ ذكرك؟ قلت: الله أعلم، قال: إذا ذُكرتُ ذُكرتَ معي"، أي أن الله قـرن اسم النبي باسمه تعالى في الأرض والسماء، فلا يُذكَر اسم الله إلا ذُكر اسم النبي، فيُذكَر معه في الشهادة، فلا يقبل الله إسلام عبد يشهد أن لا إله إلا الله حتى يشهد أن محمدا رسول الله، ولا تُقبَل الصلاة إلا بذكر اسم النبي، وذلك في التشهد الأخير وهو ركن فيها، كما لا يصح الأذان إلا بذكر النبي.
ــ من رفع ذكر النبي أن الله ربط طاعته وحبه بطاعة النبي وحبه، فقال تعالى: {أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ}، و{قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}، و{ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا}، وجعل الله مبايعة النبي مبايعة لله، فقال تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}، وقذف الله حب النبي في قلوب المؤمنين؛ فجعل ذكر النبي طيبا رطبا على ألسنتهم، وهو معنى قوله تعالى: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}، وتوعَّد الله من يؤذيه باللعنة والعذاب، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَــدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا}.
ــ من رفع ذكر النبي أن الله عظّمه في النداء، فلم ينادِه باسمه كما نادى الأنبياء بأسمائهم، إنما ناداه بالنبي والرسول، فقال تعالى: {يا أيُّها النبيُّ لم تُحَرِّم مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْواجِكَ}، و{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}، وختم به النبوة، فجعله خاتما الأنبياء وجعل القرآن خاتم الكتب وجعل الإسلام خاتم الشرائع، وخير الأمور خواتيمها، وهذا رفع لذكره.
ــ من رفع ذكر النبي أن الله جعل له نصيبا من صلاتنا، فجاءت الصلوات فرائض وسُننا، فنحن نمتثل أمر الله في الفرائض، ونمتثل أمر النبي في السُّنَن، فصلاة السُّنن طاعة للنبي، وهي تكمل نقص الفرائض يوم القيامة، ففي الحديث "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّلَاةُ، يَقُولُ رَبُّنَا لِمَلَائِكَتِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ: انْظُرُوا فِي صَلَاةِ عَبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا؟ فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا، قَالَ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ، قَالَ: أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى ذَاكُمْ".
ــ من رفع ذكر النبي أن الله تفضَّل بالصلاة عليه، وجعلها عبادة للملائكة والمؤمنين، فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، وقد ذكر العلماء أن العبادة المؤكد قبولها هي عبادة الصلاة على النبي، وهذا شرف عظيم تهون به كل مشقة؛ ولذا كان مناسبا متسقا أن تأتي هذه النعمة بعد نعمتي شرح الصدر ووضع الوزر.