الخميس 18 أبريل 2024 12:43 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

خالد درة يكتب : بالعقل أقول... ( الحب فى زمن التواصل الاجتماعي ..! )

الكاتب الكبير خالد درة
الكاتب الكبير خالد درة

من المؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي قد أثرت تأثيراً سلبياً عظيماً ، أو قُل إنها قامت بتشويه وانتقاص المعاني والمعالم والشكل والمضمون من نصيبِ الأجيالِ المُعاصرةِ من الحبِ ، والإحساسِ بهِ ، ولذةِ الشَوقِ إلى الحبيب ، ولقاءِهِ ، ولَوعَة الحب في الغياب ، ولهفته في الحضور ، والحديثِ ذو الأُنس والانسجام ، والطقوس الدافئة التي تُغطي هذه التفاصيل.
الحب يحملُ بَينَ طياتِهِ أهم الصفات وأهم المقومات الضامنة لميلادِهِ وبقاءِه ، وأهمها على الإطلاق هو ( الخجل ) ..

الحب في الأجيال الماضية كان له جلالاً في بداياته ، كان الحبيب ينتظر أن يرى محبوبته وأن ينظر إلى وجهها وهي تمرُ أمامه لعدة أمتار قليلة ومعدودة في الحي أو في ساحة الجامعة ، وإذا تصادف ووقعت عيناها في عَينَيهِ بشكلِِ عابرِِ كانت ضربات القلبِ تتسارع ، ويَصحبُ ذلك احمراراً في الوجه ، ويفقد الطرفان في هذه الثواني المعدودة إحساسهما بالزمانِ والمكانِ والأشخاص ..

كل ذلك وأكثر كان يحدث جرَّاء نظرةِِ واحدة ، ويظلُّ الحب في ثَوبِ الخجل فاقداً للقدرة على التعبير ولو بكلمة ، وربما تستمرُ هذه الحالة لعامِِ كامل ، ثم إذا تجرأَ الحبُ ذاتَ مرة وابتسم فيها الطرفان لبعضهما البعض ، فذلك حَدَث عظيم مُلتَهِب ، وكانا يجلسانِ لياليَّ وأياماً يَعيشون فيها مع الخيال ، وفي محاولات التفكير في سر تلك النظرة وهذه الابتسامة ، ويضعانِ لها التفاسير والاحتمالات ، وكأن كل طرف يُحاول أن يُقنع نفسه بأن ما يحدث هو التوافق العاطفيّ ، وأن الآخر يُشاركه نفس العاطفة ..

ويظل الحب هكذا قابعاً في مساحة الخجل لفترةِِ ليست بالقليلة ، حتى إذا ارتفعت حرارة الشوق ودفَعَت الخجل إلى الخارج كما يدفعُ البخارُ أغطيةَ الأواني رويداً رويداً من شدة الغليان ، ومع صدفةِِ يُهديها القدر لهما ، يترك المحبوب رسالةً إلى حبيبته ، ويعيشُ بعدها حالةً من التوتر والقلق ومحاسبة النفس ، وكأنه يقولُ لنفسهِ " هل كانت الرسالة في غير موعدها ؟ هل ستتقبلها أم سترفض تلك الطريقة ؟ هل سيأتيني ردُُ عليها ؟ هل كان يتوجب عليَّ الانتظار قبل أن أخطو هذه الخطوة ؟ كيف أنتظر لأكثر من هذه الفترة الطويلة التي لم تُسَجَل فيها حتى أسماءنا على قيد الحب ؟
" وفي معظم الأحوال لم يكن يأتيه ردُُ إلا بابتسامة سريعة تُشعِلهُ أملاً و تُحَفِّزهُ على الجرأةِ و الكتابة لها مرةً أخرى !..

وربما كان أول لقاء يجمعهما يحدث بعد عامين أو ثلاثة من هذه المناورات الخجولة ، كان ذلك هو الحب ، وكان الخجل أهم صفاته وملامحه ، وكانت تلك التفاصيل هي دِرع الحبِ وسَيفِه ، ولم تكن العوامل المساعدة للتواصل في عصرنا هذا قد ظهرت ، وكانت أدوات الحب كما ذكرنا لا تسمح له بأكثر ولا أسرع من تَخطي الحدود عما كان يحدث !

أما في عصرنا هذا ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي فقد تم استبدال شَعيرَة الخجل بكلمة " إنجِز " …. ولك أن تتخيل باقي ملامح الفترة .