الثلاثاء 23 أبريل 2024 09:59 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

سميحة المناسترلي تكتب : طرح بحر

الكاتبة سميحة المناسترلي
الكاتبة سميحة المناسترلي

أنا من يُطلق عليه ( طرح بحر) .. لست لقيطا لكنني مجهول الأب ..
جئت للحياة في غفلة من الزمن، وإصرار من امي بالاحتفاظ بي .. لا
أدري لماذا ؟
هل رغبة منها في جلد ذاتها ؟ أم لميلاد طفل لا حول له ولا قوة، وسط بشر تأنف الذئاب أن تنتمي إليهم !!
هبت نسمة من الهواء البارد، لسعت وجه "عبد الله" ابن الثانية عشر عاماً، تدثر بالسترة الممزقة تلك التى قام بشرائها من سوق الملابس المستعملة، بعدما ظل يوفر ثمنها من مصروفٍ ضئيل تحن به عليه أمه من حين لآخر، حسبما يجود به الزمن عليها ..
أطلق نظرة منكسرةُ ساهمةٍ بعمق على البحر، محاولاُ التقاط أي نقطة تماس لتمازج ألوان الطيف بالسماء، حينما تدنو ملامسة للبحر مداعبة إياه .. مائلة على سطحه كطفل يريد أن تداعب قدماه الماء، لكنه يجری هربا خوفا من ابتلال ثيابه ..
هكذا كانت اللوحة الطبيعية الساحرة أمامه والتي عشقها منذ سنوات .. هي رفيقة دربه صيفا ًوشتاءً .
شرد قليلا .. تنهد بقوة والدموع تتساقط من عينيه : اااه يا أمي كبرتي وأصبح همي كبير عليك ..
أنا لا أصلح لشئ أبدا .. لا تعليم .. لا مهنة، ولا شيء أستطيع فعله لمساندتك في هذه الدنيا غير جلوسي هنا في نفس المكان، إنتظاراً لإتتهاء ذئب من افتراسك، حينها سيكون فتح الشباك عبر الطريق هو إذانُ لي بالعودة لغرفتنا الصغيرة .
همس محدث نفسه بكل حنان، محتضنا كلبا صغيرا ضالأ كان ماراً أمامه على الشاطىء: آتي إلى هنا منذ سنوات كثيرة .. وسط الصقيع و معي غطاء ثقيل أقضي الليل إلى أن تأتي أمي لتوقظني فتصطحبني إلى فراشي .. تدفئني وتطعمني ما تبقى من وجبة شهية ساخنة، ابتلعها كالقط الجوعان الشريد ازدردها غصبا، لكن يغص لها حلقي الصغير فأنا أعلم تماماُ ما دفعته أمي من مهانة وخضوع ثمنا لها، لتسد رمقى، كما تأتي لنا بالقليل الذي يكاد يسترنا لعدة ايام .. لكن مع الوقت ومع تقدمها في العمر قل الرزق، وعفت نفس الذئاب عن أمي .. (إلا قليلا) وهذا القليل لا يكاد يكفي لقمة العيش، أو دفع ايجار الغرفة.
مر بمخيلته عم زكريا الميكانيكي عندما طالبه بالعمل معه .. رنت في أذنيه كلمات صبيانه واخترقت كيانه، عندما كانوا يتهامسون عليه : خللي بالكم الواد عبد الله ده ابن حرام محدش ياخد ويدي معاه في الكلام .. ده حتي الاسطى زكريا كان ماشي مع امه في الغلط ..
حيئذ تذكرما تلاه من مواقف مهينة ومذلة له، نظر إليه الكلب الصغير وهو يئن و كأن الدموع التي سقطت على رأسه قد أشعرته بالام "عبد الله " كاد الجرو الصغير أن ينطق وهو يحدق فيه بعيون بريئة متعجبة، كلها شفقة واحساس وتساؤل على صاحبه.
تأثر عبد الله فيما وجد من ردة فعل على وجه الكلب الصغير، فابتسم رابتا على رأسه محتضنا له بكل حب: لقد رأيت رحمة ربي فيك .. فأنت ونیسی وصاحبي .. اهتز ذيل الكلب بهجة بحوار صاحبه، وكأنه فهمه واستكان فرحا في حضنه .
رجع عبد الله إلى وجيعته ..
استعرض في مخيلته أكثر من طريقة ليريح أمه، ويحميها من قسوة الزمن والعوز والحاجة .. لعب الشيطان برأسه في لحظات مزيناٌ له السرقة ليغتنم مبلغا كبيرا من المال، حتي يخرج بأمه من هذا الحي الموبوء الدنس، الذي لا يبطن لهما غير كل ما يخزي من ذكريات، وماض مؤلم سحيق .
مر بخاطره الحاج عبد الغني، شيخ طاعن في السن يعيش مع زوجته وليس لهما أبناء ولا بنات، الشارع كله يعلم ما يمتلكه من أموال داخل بيته، فهودائما ما يصرح وسط الأصدقاء والعامة، أنه لا يؤمن بالبنوك وأنها حرام، والحاج عبد الغني كان شريك المقدس مینا الصايغ و هما يمتلكان أموال كثيرة ليس لها عدد .. كان يراهما في صغره، يأتيان خفية لزيارة أمه في سكون الليل .. لكنهما رفضا طلبه حين رغب في العمل لديهما.
شعر بالخنقة بمجرد تذكر موقفهما، وتراجع متسائلا: طيب يا خايب واذا اتمسکت وباظت السرقة، امك حتروح فين؟ !!
أطرق برأسه وجاء الجواب أمامه صريحاُ فتمتم بإنكسار: هي مكانها بس انا حروح السجن .. ولكن في ثانية واحدة، تغيرت ملامح وجهه عندها ومض بخاطره معلومة انه مازال قاصرا .. أجاب نفسه فرحاُ: لا .. لأ مفيش سجن !! القانون قال حروح الإصلاحية، انتفض مهللا راقصا مع كلبه ناظراً للسماء:
يا فرج الله ده انا حاكل، وأشرب واتكسي ببلاش، واتعلم الكتابة وشغلانة كمان، وأمي ما تتحوجش لحد تاني بقية عمرها.