الإثنين 5 يناير 2026 12:28 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. هانى المصرى يكتب : اختطاف الرؤساء وتدمير الدول: الوجه الحقيقي للسياسة الأمريكية

د.هاني المصرى
د.هاني المصرى

لم تعد ممارسات الولايات المتحدة الأمريكية في الساحة الدولية مجرد سياسات عدوانية قابلة للتأويل أو الخلاف، بل تحولت إلى نهج ثابت من البلطجة السياسية، يقوم على فرض الإرادة بالقوة، وانتهاك سيادة الدول، وتطويع القانون الدولي ليصبح أداة عقاب للخصوم فقط، لا مرجعية عادلة تحكم الجميع.

الولايات المتحدة، التي لا تتوقف عن ترديد شعارات “النظام الدولي القائم على القواعد”، هي ذاتها التي كسرت هذه القواعد مرارًا وتكرارًا، عندما تعارضت مع مصالحها. فمن العراق إلى ليبيا، ومن فنزويلا إلى أفغانستان، يتكرر المشهد ذاته: تدخل، فوضى، ثم انسحاب بلا محاسبة.

في فنزويلا، مارست واشنطن نموذجًا فجًّا من التدخل السافر، عبر الاعتراف بقيادات موازية، وفرض حصار اقتصادي خانق على شعب كامل، ومحاولات علنية لتغيير النظام، في انتهاك صارخ لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. ولم تتوقف الممارسات عند هذا الحد، بل وصلت إلى ملاحقات وعمليات أمنية عابرة للحدود استهدفت رموز الدولة، في سلوك يقترب من منطق العصابات السياسية لا الدول التي تدّعي قيادة العالم الحر.

وإذا عدنا قليلًا إلى الوراء، سنجد أن هذا السلوك ليس استثناءً بل قاعدة.
ففي العراق عام 2003، شنت الولايات المتحدة حربًا شاملة تحت ذريعة “أسلحة الدمار الشامل” التي اعترفت لاحقًا بعدم وجودها، مدمّرة دولة كاملة، ومخلّفة ملايين الضحايا، دون أي مساءلة دولية حقيقية.
وفي ليبيا عام 2011، استُخدم قرار أممي محدود كغطاء لإسقاط دولة، وتحويلها إلى ساحة فوضى وصراع مسلح ما زالت تدفع ثمنه حتى اليوم.

أما في بنما عام 1989، فقد قامت القوات الأمريكية باجتياح الدولة واختطاف رئيسها مانويل نورييغا، ونقله قسرًا إلى الولايات المتحدة، في واحدة من أوضح صور اختطاف الرؤساء وانتهاك السيادة الوطنية، دون أن يهتز ضمير “العالم الحر”.

وفي هايتي عام 2004، ما زالت اتهامات اختطاف الرئيس جان برتران أريستيد قائمة، بعد نقله قسرًا إلى خارج البلاد في ظروف غامضة، وسط صمت دولي مريب.
أما حادثة إجبار طائرة الرئيس البوليفي إيفو موراليس على الهبوط عام 2013، بعد ضغوط أمريكية وأوروبية، فكانت رسالة واضحة بأن حتى الرؤساء لا يتمتعون بالحصانة إذا تعارضوا مع الإرادة الأمريكية.

ولا يقل خطر سلاح العقوبات عن خطر الجيوش. فالعقوبات الأمريكية المفروضة على كوبا، وإيران، وفنزويلا، وسوريا، لم تكن يومًا “عقوبات ذكية”، بل عقابًا جماعيًا استهدف الشعوب، وأدى إلى أزمات إنسانية خانقة، في انتهاك واضح لمبادئ حقوق الإنسان التي تزعم واشنطن الدفاع عنها.

المفارقة الفجة أن الولايات المتحدة تطالب العالم باحترام القانون الدولي، بينما هي أكثر من انتهكه؛ تتحدث عن السيادة، وتمزقها؛ وتبكي على حقوق الإنسان، بينما تستخدمها كورقة ضغط سياسية، لا كقيمة أخلاقية.

إن ما تمارسه واشنطن اليوم هو منطق القوة المجردة: من ليس معنا فهو ضدنا، ومن يخرج عن الطاعة يُحاصر، يُشوَّه، أو يُسقط. هذا النهج لا يهدد الدول المستهدفة فقط، بل يقوّض أسس النظام الدولي، ويحوّل القانون إلى أداة انتقائية تُدار من غرفة القرار الأمريكي.

لقد آن الأوان لفضح هذا السجل الأسود بلا مواربة. فالعالم لا يحتاج إلى دولة فوق القانون، ولا إلى شرطي دولي يتصرف بعقلية العصابات. بل يحتاج إلى نظام دولي عادل، يُحاسب الجميع دون استثناء، ويضع حدًا لحقبة البلطجة السياسية الأمريكية التي لم تجلب للعالم سوى الحروب، والفوضى، وازدواجية المعايير.

د. هانى المصرى اختطاف الرؤساء وتدمير الدول: الوجه الحقيقي للسياسة الأمريكية الجارديان المصرية