الأحد 19 مايو 2024 10:37 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم يكتب.: جائحة الخطاب الشعبوي

الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم
الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم

دعوني أعترف بأني لا أحب الخطاب الشعبوي ، ( هو حديث العامة في غير تخصصهم ، بدون علم أو خبرة ) لأنه في الغالب يكون خطابا مضللا، يثير الغرائز والنزعات القومية والوطنية والدينية والشرائحية لدى العامة، ويشحنهم بالكراهية والعداء ويلهب حماسهم ويؤجج مشاعرهم، ضد أو مع، فكر أو نظام أو قضية أو شخص، وذلك من غير تبصر ولا حساب للتداعيات والعواقب.
هو خطاب فوضوي يوظف المزاج الشعبي العام ويستثمره لخدمة أهدافه النفعية الضيقة.
الخطاب الشعبوي خطاب لاعقلاني، يخاطب العواطف المتقلبة لا العقول ، خطورته في سهولة انقياد قطاع كبير من الشعبويين الذين يحبون حكايات أم الغول ، وكل كلام يعاكس الرأي العام ، وأكاد أجزم بأنه مرض لا يصيب الشعبويين وفقط ، بل ويصيب العديد من النخب من أصحاب المصالح ، ويزيد الأمر خطورة أن يكون من بين تلك النخب إعلاميين وكتاب ومشاهير يمتلكون آليات الظهور والتأثير في الناس . من هنا تزداد الكوارث على المجتمعات والأوطان، لا سيما إذا طال الحديث الثوابت ، ومن بين أهم الثوابت .الثوابت الدينية التي تشكل وجدانا يصعب اجتزازه من النفوس بسهوله ، بل قل أن شئت بأنها متجذرة في نفس كل مسلم .

لعمري إنه خطير ومرهب ومفتك : ذلك الخطاب الشعبوي، الصادر من غير أهل الاختصاص ، ومن غير أولي العلم ، ومن غير أصحاب دراسة منظمة ، في موضوعات بالغة التعقيد متنوعة المجال حديث الخبير الذي يعرف الأكمة وما وراءها.

تكمن خطورة الفكر الشعبوي إذا اتخذ الطريق التنظيمي ، والشكل المؤسس ، الذي يستلزم مقرات وأجهزة إدارية ومشرفين وأموال للإنفاق عليه ، لأنه في هذه الحالة ينعقد عمله علي الإصرار والفهم لما يقدم ، والعمل علي تحقيق الغاية المبتغاة من وجوده والمرتبطة في الغالب بمن يدفع النفقات والمرتبات ، عندئذ يتحول الأمر من خطاب إلي عمل بهدف إلي الزعزعة ، مفتئتا علي أهل التخصص ، متجرئا على حرمة التخصص العلمي ومكانة العلماء المتخصصين الذين أفنوا زهرات أعمارهم وسكبوا ماء عيونهم في الدراسة والتحصيل ،
همه تأجيج الرأي العام وإثارة مشاعره وتهييجه وشحنه.. يضرب بكل القيم الأخلاقية والإنسانية والاجتماعية عرض الحائط، ولا يبالي بأي ضوابط مهنية ، أو تخصصات علمية، كل ذلك في سبيل الشهرة الإعلامية والبروز الاجتماعي وزيادة عدد المتابعين المضللين وبحثاً عن مصالح نفعية شخصية ضيقة، وللمباهاة ، ولخداع البسطاء من الذين يحبون الخروج علي الثوابت بغير وعي.

وبعد ، فإن الخطاب الشعبوي المسيئ، المنفلت من الضوابط الأخلاقية والمهنية، سيظل أخطر ما يهدد مستقبل أجيالنا ومجتمعنا ، لأنه خطاب ظلوم جهول، يرسخ لظهور الرويبضة في المجتمع
الرويبضة يبيهنم الحديث الذي ورد في عدد من كتب الحديث : عن أبوهريرة، قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيأتي على الناس سنوات خدّعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة)، قيل وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة ".

التافه يعني الرجل الذي لا شأن له ولا معرفة له ولا علم له، لأن التفاهة الموصوفة في الحديث هي ليست لذاته أو نسبه إنما لما اطلع به والحديث في أمر العامة وهو في غيبة عن علم يفيده ويعينه على الحديث وفي غيبة عن تجربة تفيذه
وبالتالي ليس عنده حكمة فيصدق عليه أنه رويبضة.
ويُعرف الرويبضة بأنه الإنسان العاجز الذي رَبَض عن معالي الأُمور، أي قعد عن طلبها، وهي تصغيرٌ لكلمة رابضة؛ كما جاء في تعريفه في بعض الأحاديث أنّه الرجل التافه الذي يتكلّم في الأمور العامة، وقيل: هو الرجل الذي لا يُنظرُ إليه، ولا قيمة له، ويتكلّم في ما شاء من أمور العامة، ويرفع من يشاء من الناس، ويحطّ من يشاء منهم.
فليحظر كل امرئ من الوقوع في هذا الموقع الآسن ، عن طريق الجرأة علي الثوابت ، و الحديث فيما لا يعلم ، أو يكثر من الكلام فيما لا فائدة فيه .
وبناءا عليه : لا ينبغي للإنسان أن يتحدث عن أمر ليست له معرفة كافية به ، ولا عن أمر لا يتذكر وقائعه بشكل صحيح ، ولا عما لا علم له به ، ولكن يتحدث - إذا تحدث - بعلم ، وإلا ، ففي الصمت السلامة ، ولا يكلفه الله أن يتحدث بالظن الذي هو أكذب الحديث ، ولا بما لا معرفة له به معرفة كافية .