الثلاثاء 23 يوليو 2024 11:25 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. كمال يونس يكتب : (من الذكريات)... النفاريت...صدق الموهبة وروعة الفن

دكتور كمال يونس
دكتور كمال يونس

قدمت شركة بتروتريد على مسرح المجلس القومى للشباب العرض المسرح النفاريت تأليف السيد محمد على ، ديكور محمد جابر، استعراضات شريف راضى ، إضاءة باسم بطرس ،ملابس واكسسورات محمد عبد المنعم ، حمادة البراوى ،أشعار أحمد شافعى ، وائل فرج ، حسن خاطر ، سامح العلى ، ألحان علاء غنيم ، أمجد ماهر ، أكرم مراد ، غناء أحمد سلام ،محمود سليمان، أحمد عواد ، هيثم مصطفى ، نجوى حمدى ، محمد بنهاوى ، آلاء أسامة ، منيرة ، دينا محمد على ، داليا العشرى ، ماكياج أميرة صبحى ، أحمد طاهر، مها كميل ، مخرج منفذ أحمد عاطف ، إخراج حسام الدين صلاح.
نص مسرحية النفاريت( العفاريت) حاز على الجائزة الأولى من المجلس الأعلى للثقافة عام 1994، وفيه ارتحال مابين الماضى والحاضر والمستقبل ، محددا الزمن بأنه أى زمن فيه مجاعة ، وغلاء ، وسوء للأحوال الاقتصادية ، وفساد سياسى ، حيث تبدأ أحداثه باستدعاء السلطان لمخاوى المشعوذ الدجال المسخر للجن ، وجوقته زوجته زوبة قارئة الفنجان، وسنية ضاربة الودع ، ومايم المنوم المغناطيسى ، والكومى محترف قراءة الطالع بالكوتشينة ، ولكن مخاوى يدرك أنه مادام هو المالك للحل الذى يخرج البلاد والعباد من أزمتهم ، فهو وبطانة السوء حوله أولى بالحكم ، فيستأثر به لنفسه ، مدركا حقيقة شعب لا يتغير فهو المعلن لرأيه بالتصفيق سوار أكان تأييدا وموافقة أو رفضا ، حسب ماعبر به فى مجلس الشيكا بيكا ، أو مجلس الشغب والشكاوى والبولوتيكا ، فغذى الناس بوهم الشعارات ، من عينة من صبر وتأنى نال ماتمنى ، أنا حامل إذن أنا موجودة ، على قد شعارك لم رجليك ، روتينى ولا تغدينى ، طول ماحبك جوايا بأنضرب على قفايا ، لتضيع قيمة العلم والعمل وتغرق البلاد فى الخرافات والأكاذيب وتزييف الوعى ، ولكن مخاوى ابن حسن يأسف لحال الشعب فيرفع شعارات فى مواجهة أبيه المستبد مثل من جد وجد ، ومن زرع حصد ، صاحب صنعة خير من صاحب قلعة ، مما يضطر أبيه مخاوى إلى جعله يرتحل إلى المستقبل آخذا بأحدث العلوم والتكنولوجيا والتقنيات ، ولا يستدعيه إلا وهو فى شدة المرض جراء سحر أسود قامت به زوبة زوجته حين لاحظت إعجابه بسنية ، فيضطر مخاوى إلى أن يستعين بالجن لساعة واحدة فقط ليموت بعدها وبعد أن يغرس قرينه فى جسد وعقل وكيان ابنه حسن الذى أخذ عليه عهدا بالانتقام له ممن تآمروا ضده ، فتنتهى المسرحية بحسن وهو يرتدى ملابس هتلر الزعيم النازى عازما على تدمير العالم لا بالجن والسحر الأسود بل بالقنابل الذرية وأحدث الأساليب العلمية ، وتنتهى المسرحية والكورس يطلب من الشعب أن يفيق من غفوته ، وأن يعمل ، ويتعلم كى يغير واقعه المر.
استطاع المخرج حسام الدين صلاح أن يؤكد استحقاقه للقب ملك الفرجة المسرحية ، وهو ما ظهر جليا فى كثير من أعماله السابقة على مسرح الدولة قاعدين ليه ، ويمامة بيضا ،وفيها يظهر بوضوح اهتمامه بمشاكل وطنه وتحيزه للشعب ، غامسا فنه وأحلامه بمناداته للإصلاح منبها إليها طارحا الحلول لها ، فالفن لديه رسالة وأمانة ، أجاد حسام الدين صلاح التعامل مع نص النفاريت المعقد دراميا ليخلق حالة متفردة من الفرجة المسرحية ،ويطوعه لذائقة الجمهور بمقاطع من الكوميديا السوداء ،كروابط بين وفى مشاهد العرض متندرا فيها على أحوال الشعب الغافل المغلوب على أمره ،عازفا قائد أوركستراعلى مفردات سينوغرافيا العرض ، من ديكور لمحمد جابر معبر عن جو الشعوذة والدجل ، بالستائر السوداء ذات المفردات من الموروث الشعبى التى تعبر عن هذا الجو الدرامى الكف ، والكتابة الطلسمية ، والعيون ، والخمسة وخميسة، والجن بقرونه وفمه المفتوح الذى تتدلى منه الأنياب ، والشارع وقدرة الفول العملاقة ، والمعمل المتطور ، مع إضاءة باسم بطرس موحية معبرة وخاصة استخدام الالترفيوليت ، واكسسوارات العرض وملابس الممثلين كل حسب شخصيته ودوره وخاصة ملابس الاستعراضات الأبيض والأسود والتى صممها محمدعبد المنعم ، مع استعراضات متقنة التوظيف الدرامى لشريف راضى ، مع ألحان وأغانى العرض متناسبة الإيقاعات سهلة التناول والوصول إلى المشاهدين لما تحتويه من تيمات شعبية من موسيقى الذكر والزار ، ولقد أفلح فى الكشف عن مواهب متألقة واعدة ثرية بالموهبة مثل زوبة ( داليا محمد ) ،المدرس ( عبد الله اسماعيل ) الدكتور شديد ( حمدى إبراهيم ) ، خضرة ( صباح )، لوز (خالد فؤاد)، والموظف ( خالد حرب) ، ليتحقق إيقاع عام للعرض سريع لطيف يستأثر بعقل ولب المشاهد وحواسه ، باعثا فيه التوتر والتشويق لمتابعة العرض .
من أجمل مشاهد العرض مشهد خضرة الأسوانية ( صباح ) وهى تستدعى الجن بالسحر الأسود لتصيب مخاوى بالمرض والعجز حتى تستولى زوجته ومعاونوها على الحكم ، ومشهد مخاوى وهو يستنزل قرينه فى جسد ولده حسن ، وارتفاع جسد حسن فى الهواء ، ومشهد المدرس المخبول ، والموظف الحكومى ،واستعراض بداية العرض .
هذا العرض يمكن له فى حالة عرضه جماهيريا أن يجتذب جمهور المسرح الواعى الحقيقى ، لجديته وروعة الفن المسرحى فيه ، إذ اكتنفته حالة من الحب والإمان والرغبة فى النجاح من مجموعة العمل قاطبة دونما تمييز ، وهو ما تفتقده مسارحنا بشكل عام .وهكذا يقف مسرح الشركات شامخا بعيدا عن النجوم ودلعهم المرق وسخافاتهم وتدللهم بصدق، إذ اعتمد على هواة عددهم يزيد عن الستين شابا لديهم الكفاءة والاكتفاء الذاتى وقناعاتهم بقدراتهم وقدرتهم على التعبير الفنى عن ذواتهم كاشفين عن مواهبهم الثرية الدفينة على يد إدارة أعطتهم الفرصة لتوظيف طاقاتهم والإعلان عنها ، تفريغا لطاقاتهم ومواهبهم ، كان الصدق الفنى المسرحى وعناصر الجودة فى المسرحية يعلنان بجلاء ووضوح أن هذا العرض ليس لهواة بل لمحترفين ذوى موهبة تحت إمرة مخرج محترف نجح فى استفزازهم إبداعيا ليخرجوا بعضا من مواهبهم فى الأداء والموسيقى والشعر والعزف والملابس والمساعدة فى وتنفيذ الديكور والإضاءة والإخراج، تحية لموظفى شركة بتروتريد الموهوبين على هذا العرض المسرحى الرائع.
.

1f92a24537c1.jpg
b1ae4a2568a4.jpg