السبت 28 فبراير 2026 07:29 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب : حكايات ترعة ومقام الشيخة غنيمة بالقاهرة

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

قبل أن تتحول أطراف القاهرة إلى كتلٍ من الأسمنت، وقبل أن تبتلع العمارات ذاكرة الأرض، كانت كفر أبو صير التابعة لحي المرج عالمًا ريفيًا خالصًا ينبض بالحياة والبساطة والترابط الإنساني الذي يصعب أن يتكرر اليوم. لم تكن الأرض مجرد مساحات للزراعة، بل كانت حياة كاملة تمتد في الحقول الخضراء التي تتخللها أشجار النخيل، وتتناثر حولها البيوت التي يعرف أصحابها بعضهم بعضًا معرفة تتجاوز الأسماء إلى المواقف والذكريات والمشاركة في كل تفاصيل الحياة.
في قلب هذا العالم، كانت ترعة تحمل اسمًا لم يكن عاديًا عند أهل المكان، بل كان اسمًا محفورًا في وجدانهم، وهي ترعة الشيخة غنيمة. لم تكن مجرد مجرى ماء يسقي الأرض، بل كانت جزءًا من روح القرية، لأنها ارتبطت بسيرة امرأة صالحة أصبح مقامها علامة من علامات المكان، ومقصدًا لمن يلتمس البركة أو يدعو الله عند الشدائد. كان مقام الشيخة غنيمة قائمًا في هدوء على ضفة الترعة، بسيطًا في شكله لكنه عميق في أثره، حيث اعتاد أهل الريف المرور عليه والدعاء عنده، وكانت النساء يتوقفن للحظات يتمتمْنَ بالدعاء، فيما يذكر كبار السن الحكايات التي تناقلها الناس عن كرامات نسبت إلى تلك الشيخة، وعن دعوات قيل إنها استُجيبت في رحاب مقامها.
كانت كفر أبو صير في ذلك الزمن مجتمعًا متماسكًا تحكمه روح العائلة والجيرة، وكانت عائلة سكران من أبرز العائلات حضورًا وتأثيرًا إلى جانب عائلات جلال والسنجق وعبد الدايم وغيرها من العائلات التي لم يكن ترابطها قائمًا على المصالح، بل على شعور عميق بأن الجميع يشكلون بيتًا واحدًا كبيرًا، يفرحون معًا ويحزنون معًا ويواجهون الشدائد بروح الجماعة لا الفرد. وكان مقام الشيخة غنيمة جزءًا من هذا النسيج الاجتماعي، حيث لم يكن مجرد رمز ديني شعبي، بل شاهدًا على حياة يومية كانت تسير في هدوء بين العمل في الحقول والجلوس تحت ظلال النخيل وتبادل الحكايات في الأمسيات الطويلة.
غير أن القرية لم تعرف فقط حكايات البركة والطمأنينة، بل عرفت أيضًا واحدة من أشد المآسي التي حفرت جرحًا غائرًا في وجدان أهلها، حين عاد أطفالها من رحلة مدرسية لم تكتمل فرحتها، إذ صدمهم قطار عين شمس – السويس في حادث مأساوي لم يكن مجرد واقعة عابرة، بل لحظة فاصلة بين زمنين. في يوم واحد تحولت الضحكات المنتظرة إلى صرخات، وعادت الأجساد الصغيرة محمولة بدل أن تعود راكضة إلى بيوتها، لتبدأ القرية في استقبال جنازات جاءت فرادى وجماعات حتى خُيِّل للناس أن الحزن لا نهاية له. لم يخلُ بيت تقريبًا من شهيد، ولم تخلُ زاوية من أثر الدموع، حتى اكتست القرية بالسواد لسنوات طويلة، ولم يكن السواد مجرد لون في الملابس، بل حالة سكنت النفوس وغيّرت ملامح الحياة، فاختفت الضحكات من الأزقة وصار ذكر الأطفال الغائبين حاضرًا في كل حديث وكل مناسبة.
وفي خضم هذا الألم، ظل مقام الشيخة غنيمة ملاذًا للدعاء والصبر، حيث لجأت الأمهات إلى المكان الذي اعتدن أن يطلبن عنده البركة، لكنهن هذه المرة لم يطلبن إلا القوة على الاحتمال، وكأن المكان جمع بين زمنين؛ زمن الرجاء القديم وزمن الفقد الجديد.
ومع مرور السنوات، بدأت ملامح القرية تتغير تحت وطأة التمدد العمراني، فبيعت الأراضي، واقتُلعت أشجار النخيل، ثم جاء القرار الذي أنهى فصلًا كاملًا من تاريخ المكان بردم الترعة التي حملت اسم الشيخة غنيمة. باختفاء الماء اختفى الطريق الذي كان يقود إلى المقام، ثم نُقل ما كان في الضريح، وتبدلت ملامح الأرض حتى قامت العمارات مكان الحقول، وصار المشهد الجديد يخلو من كل ما كان يمنح المكان روحه القديمة.
لكن رغم تغير الأرض، بقيت الذاكرة حية في نفوس الكبار الذين ما زالوا يروون حكايات الترعة والمقام، ويستعيدون يوم الحادث الذي لبست فيه القرية الحزن. أما الأجيال الجديدة فتمر في الشوارع نفسها دون أن تعرف أنها تسير فوق أرض شهدت زمنًا من البركة وزمنًا من الشهادة، ودون أن تدرك أن تحت الإسفلت كانت مياه تجري، وأن هنا كان مقام يقصده الناس بالدعاء، وأن هذه الأرض شهدت يومًا جنازات أطفال عادوا من رحلة ولم يعودوا إلى الحياة.
وهكذا لم تكن حكاية كفر أبو صير مجرد قصة ترعة رُدمت أو مقام نُقل أو عمران تمدد فوق الأرض، بل كانت حكاية زمن كامل عرفت فيه القرية معنى الرجاء حين ارتبطت بالشيخة غنيمة، وعرفت فيه معنى الفقد حين ودعت أطفالها شهداء. وبين الدعاء القديم والدموع الجديدة تشكلت روح المكان التي لا يمكن أن يمحوها الإسفلت ولا أن تبتلعها العمارات. لقد تغيرت الملامح واختفى النخيل وصمتت الحكايات في الظاهر، لكن أثر تلك الأحداث ما زال حاضرًا في وجدان من عاشوها، لأن كفر أبو صير لم تفقد فقط ترعتها أو مقامها، بل فقدت زمنًا من البراءة والبساطة، ومع ذلك بقيت الحكاية حيّة في الذاكرة، تؤكد أن الأماكن قد تتغير، لكن الأرواح التي مرّت بها لا ترحل أبدًا.

حسين السمنودى حكايات ترعة ومقام الشيخة غنيمة بالقاهرة الجارديان المصرية