عصام بيومى يكتب من كندا : معلقون لا مفكرون: كيف فقدت الشعوب قدرتها على الفهم؟
قبل فترة خطرت لي فكرة تبدو بسيطة، عنوانها: انتهاء عصر المفكرين، ودخول عصر المعلقين!. لكن بدا لي لاحقًا أن المسألة أعمق من مجرد غياب مفكرين حقيقيين كأفراد… وأننا بصدد تحول في بنية المجتمعات الثقافية نفسها؛ فغياب المفكرين لم يعد سببًا، بل نتيجة لغياب جمهور قادر على فهمهم.
هنا لاحظت أن المشكلة لم تعد فقط فيمن يكتب، بل أيضاً فيمن يقرأ. والفكرة الأعقد أو الأعمق هي: "لعل المسألة دائرة مفرغة". غاب أو غُيّبَ المفكرون الحقيقيون فغاب مستهلكو الفكر الحقيقي. ولما غاب مستلهكو الفكر الحقيقي انقرض المفكرون.
هذه الفكرة يعضدها المفكر الكندي ألآن دونو في كتابه "نظام التفاهة"، حيث تدفع قوى الديكتاتورية المتحكمة في المجتمعات، والمتصاعدة حول العالم، نحو صناعة التفاهة على كل المستويات- انطلاقا من أن المجتمع الجاهل التافه أسهل انقيادا من المجتمع المتعلم النابِه- فلا ينجح ويلمع إلا التافه ومعه ينساق وينقاد المجتمع. مثال: عندما يلمع نجوم الكرة ينصرف الشباب نحو تقليدهم، وكذلك الممثلون، وهكذا. والأخطر من هؤلاء هم نجوم الإعلام الجديد، التِك توك وما شابه.
لقد أصبحنا أمام واقع غريب: النص العميق لا يلتفت إليه أحد، بينما تعليق سطحي عابر قد يحصد آلاف، بل ملايين، التفاعلات. ليس لأن التعليق أفضل أو أذكى، بل لأنه أسهل، ولا يحتاج إلى تفكير. وهنا تنطبق على الثقافة والفكر قاعدة العرض والطلب في أكثر صورها قتامة: عندما يتراجع الطلب على الفكر، يختفي عرضه تلقائيًا، وعندما يتلاشى الفكر الجيد يضمحل العقل الجمعي.
لم يعد لدينا جمهور يقرأ ليبني رأيًا، ولا ليبحث عن حقيقة ولا ليزداد علما، ولا يقرأ من الأساس.
بات الجمهور يبحث عما سميته سابقاً "الوجبات الإعلامية السريعة". جمهور يقرأ التعليقات ليتابع الموضة وأخبار المشاهير والنميمة وقيل وقال؛ ماذا قال فلان ورد علان. أما ما يخص حياته فلا. ربما لأنه يعلم أنه لا يستطيع أن يقرر بشأنها أي شيء. وإذا كان هذا المرض يصيب أرفع طبقات المجتمع وهي القادرة على متابعة الأحداث بمعيار القدرة التعليمية والقدرة الاقتصادية، هنا تبدأ الحلقة المفرغة:
جمهور محدود لا يقرأ يعني مفكرا لا يُسمع، وبالمقابل.. مفكر لا يُسمع يعني جمهورا لم يعد يستطيع أن يقرأ. هنا ينتصر "المعلق"، لا لأنه الأفضل، بل لأنه الأنسب لبيئة سريعة وسطحية وتافهة، أدمنت الوجبات الإعلامية السريعة مثلما أدمنت الوجبات الغذائية السريعة. وهنا تخلو الساحة لمن سميتهم سابقاً "أنبياء العصر".
لكن هذا التحول لم يأتِ من فراغ.
فنحن نعيش في زمن لم يعد فيه الانتباه ملكًا للإنسان، بل سلعة تتنازعها المنصات. تطبيقات مثل TikTok وTwitter (X) لم تُبنَ لنشر الفكر، بل للاستحواذ على الانتباه. "استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله". والخوارزميات في تلك التطبيقات لا تسأل: "ما الفكرة الأعمق؟" بل: "ما الذي سيُبقي المستخدم عندها فترة أطول؟"
والإجابة معروفة:
ليس المقال الرصين، ولكن المقطع القصير، المُشاهَد وليس المقروء حتى. ليس التحليل العميق، بل التعليق الانفعالي، ليس المفكر… بل المعلق..على طريقة الأراجوز أو "الحكّاي أبو ربابة".
هكذا، لم يعد التفكير العميق غير مرغوب فيه فقط، بل أصبح غير قابل للعيش داخل هذه البيئة.لأن المتحكمين في الأمور استهدفوا بشكل منظم تشتيت الانتباه بتدمير زمن التفكير.
التفكير يحتاج وقتًا. وصبرًا، وعزلة نسبية للتأمل. ويحتاج قبل كل ذلك تعليما حقيقياً. لكن إنسان اليوم المتعلم اسميا فقط، يعيش داخل إغراق لا ينتهي من الإشعارات والمحتوى. لا يكاد يمسك فكرة حتى تُسحب منه إلى غيرها. ومع الوقت، لا يفقد المعلومات فقط… بل يفقد القدرة على معالجتها.
ومن هنا نفهم لماذا لم يعد الناس يبحثون عن الحقيقة بأنفسهم، بل عن أقرب تعليق يختصرها لهم.
وهنا يظهر مجددا من سميتهم "أنبياء العصر". والآن أضيف مسمى آخر يناسب هذه الفكرة هو "أنبياء التفاهة".
وهؤلاء هم وسطاء المعنى.
إعلاميون، سياسيون، مؤثرون… لا يقدمون معرفة بقدر ما يقدمون تفسيرًا جاهزًا، وتافها وعن عمد في الغالب. يختصرون العالم في جملة، ويقدمون الواقع في صورة سهلة الهضم. وفي زمن فقد فيه الناس القدرة على التحليل، يصبح هؤلاء ليس مجرد مؤثرين. بل مرجعيات فكرية بديلة.
لكن الخطورة ليست في وجودهم، بل في طبيعة العلاقة الجديدة: لم يعد الناس يستمعون ليفكروا… بل ليستريحوا من التفكير. وهذا النوع من الجمهور يصفق على أي شيء، صحيح أم خطأ، فهِم أم لم يفهم
وهنا تتضح الصورة أكثر، وفيها جمهور يعجزه الإغراق والغموض عن الفهم، يتلقفه معلقون "أنبياء عصر تافهون "، يصوغون الرواية ويلقنونه السردية التي يريدها أسيادهم. فيصبح الخير شرا والشر خيرا ،، كيفما شاءوا.
وفي ظل منظومة رقمية عنكبوتية
ينصهر الجميع في دائرة التبسيط المفرط والتفاهة المعممة والتضليل المتعمد. هنا يتحكم أنبياء التفاهة في كامل السردية ومفردات إنتاجها بمن في ذلك المفكرون والشيوخ والقساوسة وكل من يقع تحت سلطتهم كما أوضحت في مقال بجريدة الأهرام في العام 2007.
وقد شرحت في كتابي "صناعة الكفر"
كيف استخدمت النخب وأذرعها الاستخباراتية شركات كبرى مثل Meta وGoogle لتوجيه ما نرى وما لا نرى.
الحقيقة الأكثر إزعاجًا هي أن هذا الانحدار يصبح بمرور الوقت منتجا ذاتياً داخل المجتمع فالإنسان بطبيعته يميل إلى السهل والسريع. والخوارزميات تعمل بإلحاح لتضخيم هذه النزعة.
لذلك، لم تفقد الشعوب عقولها بالكامل لكنها فقدت البيئة التي تجعل استخدام العقل ممكنًا ومجديًا.
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية: لسنا أمام شعوب لا تفكر، بل أمام شعوب لم يعد التفكير خيارًا متاحا في حياتها اليومية.
وفي ظل هذا الواقع، لا يمكن انتظار عودة المفكرين كما كانوا، لأن المشكلة لم تعد في غيابهم، بل في غياب الشروط التي تسمح بوجودهم أصلًا. لكن هذا لا ينفي أن نوعية المفكرين أنفسهم إما اضمحلت مع اضمحلال مستوى التعليم ومنح الشهادات العلمية الكبرى لكل من هب ودب، ومع التضييق السياسي، وإما فسدت بالكامل لتنتج لنا أمثال من سميتهم "الشحارير الجدد"، الذين ضلوا وأضلوا فأضلهم الله على علم.












ضبط متهم بسرقة مبلغ مالي من داخل مسجد بالمنيا بعد تداول فيديو...
رسميًا.. الأعلى للإعلام يحفظ شكوى الزمالك ضد ياسمين عز
الإعدام لـ المتهم بقتل نجل صاحب مطعم شهير بالمحلة
حجز محاكمة المتهمين بمطاردة نجلي الفنانة زينة بكلب في الشيخ زايد
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم
استقرار سعر الدولار أمام الجنيه اليوم في البنوك المصرية
أسعار الذهب اليوم في مصر الثلاثاء 14 ابريل