الإثنين 27 أبريل 2026 01:11 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب : ”منظمة إيرتس هكوديش”.. فرسان الاستيطان ومخططاتها القذرة

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

في زمنٍ تتشابك فيه الخيوط بين الدين والسياسة والمال، لم تعد حركة الاستيطان الصهيوني مجرد مشروع توسعي تقليدي، بل تحولت إلى منظومة معقدة تديرها مؤسسات وشبكات عابرة للحدود، تتخفى أحيانًا خلف شعارات دينية أو إنسانية، بينما تمضي في الواقع نحو هدف واحد: تكريس الاحتلال وتثبيت أركانه. وفي قلب هذه المنظومة تبرز منظمة "إيرتس هكوديش" كواحدة من أخطر الأذرع التي تعمل في الظل، ولكن آثارها على الأرض أشد وضوحًا من أي وقت مضى.
هذه المنظمة، التي تحمل اسمًا دينيًا يوحي بالقداسة، لا تتحرك في فراغ، بل تنتمي إلى تيار ديني متشدد داخل الكيان الصهيوني، يرتبط بما يُعرف بالتيار الحريدي، والذي طالما لعب دورًا محوريًا في دعم المشروع الاستيطاني، ليس فقط فكريًا، بل ماديًا وتنظيميًا. ومن خلال هذا الارتباط، استطاعت "إيرتس هكوديش" أن تتحول إلى منصة حشد وتعبئة، تستقطب الدعم من الداخل والخارج، وتعيد توجيهه نحو أهداف تخدم التوسع على حساب الأرض الفلسطينية.
وإذا كان البعض يظن أن الاستيطان يتم فقط عبر قرارات حكومية أو دعم عسكري مباشر، فإن الحقيقة أكثر تعقيدًا وخطورة. فهذه المنظمة – وفق ما كشفته تقارير إعلامية – تدير شبكة لوجستية متكاملة، تبدأ من تنظيم رحلات جماعية عبر الحافلات من القدس، مرورًا بمعابر حدودية، وصولًا إلى الأراضي المصرية، حيث يتم استخدام مطاراتها كنقاط عبور إلى وجهات متعددة، في عملية تبدو ظاهريًا كرحلات سفر عادية، لكنها في جوهرها جزء من منظومة تحرك أفرادًا وموارد في سياق سياسي شديد الحساسية.
وليس خافيًا أن هذه التحركات تثير تساؤلات مشروعة حول الأبعاد الأمنية والسيادية، خاصة عندما تكون مدعومة بتمويلات ضخمة تتراوح تكلفة الفرد فيها بين ألف وألفي دولار، ما يعكس حجم الإنفاق والاستثمار في هذه العمليات. والأخطر من ذلك، أن هذه الأموال لا تأتي من مصدر واحد، بل تتدفق من تبرعات يهود الشتات، ومنظمات غير ربحية في الولايات المتحدة، إلى جانب شبكات تمويل دولية، وهو ما يمنح "إيرتس هكوديش" قدرة غير محدودة على الحركة والتأثير.
لكن الدور الأخطر لا يكمن فقط في النقل أو التنظيم، بل في إعادة توجيه هذه الموارد نحو مشاريع استيطانية تُقام على أراضٍ فلسطينية مغتصبة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والمواثيق الدولية. فكل دولار يُجمع تحت لافتة الدعم أو التبرع، قد يتحول إلى حجر في مستوطنة، أو سلاح في يد جندي، أو وسيلة لقمع شعب أعزل.
وقد كشفت الأحداث الأخيرة، خاصة خلال الحرب على غزة، عن الوجه الحقيقي لهذه المنظمة، حيث لم تكتفِ بالدعم المعنوي، بل شاركت في حملات جمع تبرعات لتوفير معدات عسكرية، من دروع واقية إلى مستلزمات طبية للجنود، في مشهد يعكس تداخلًا خطيرًا بين العمل الديني والنشاط العسكري، ويؤكد أن ما يُدار ليس مجرد نشاط خيري، بل جزء من ماكينة حرب متكاملة.
إن "إيرتس هكوديش" ليست مجرد منظمة، بل نموذج لما يمكن أن تفعله المؤسسات المؤدلجة عندما تتوفر لها الموارد والدعم السياسي. فهي تعمل ضمن شبكة أوسع تضم مؤسسات لها حضور في الوكالة اليهودية، وتشارك في التأثير على نتائج الانتخابات، من خلال الحشد والتصويت، ما يمنحها نفوذًا سياسيًا يتجاوز حدود العمل المدني.
وهنا تبرز خطورة هذه الكيانات، التي لا تكتفي بالعمل داخل حدود الكيان الصهيوني، بل تمتد أذرعها إلى دول عدة، مستفيدة من القوانين التي تتيح حرية العمل للمنظمات غير الربحية، لتبني شبكة نفوذ عابرة للقارات، يصعب تتبعها أو محاسبتها.
إن ما يحدث اليوم يفرض على الجميع، دولًا ومؤسسات وشعوبًا، إعادة النظر في طبيعة هذه المنظمات، وعدم الاكتفاء بالنظر إليها كجهات دينية أو خيرية، بل كأدوات سياسية تستخدم الدين كغطاء لتحقيق أهداف توسعية. فالمعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على الوعي، وعلى القدرة على كشف هذه الشبكات وتعريتها أمام الرأي العام.
وفي الختام، فإن الصورة التي تتكشف أمامنا اليوم تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة عسكرية تُقاس بعدد الطلقات أو نتائج المعارك، بل أصبح معركة ممتدة، متشعبة، تتسلل إلى كل تفاصيل الحياة اليومية، وتُدار بأدوات أكثر تعقيدًا وخطورة مما يتخيله الكثيرون. لم تعد الحرب فقط في ساحات القتال، بل صارت في العقول التي تُشكَّل، وفي القيم التي يُعاد صياغتها، وفي الاقتصاد الذي يُستنزف، وفي الإعلام الذي يُوجَّه، وفي التعليم الذي يُعاد برمجته ليُنتج أجيالًا مشوشة الهوية، فاقدة للبوصلة.
إنها حرب تُخاض في صمت أحيانًا، وبضجيج أحيانًا أخرى، لكنها في الحالتين لا تتوقف. حرب تُستخدم فيها المؤسسات، والمنظمات، والشبكات العابرة للحدود، لتطويق الشعوب من الداخل قبل الخارج، ولإضعاف الإرادة قبل كسر السلاح. فكل مشروع اقتصادي يُضرب، وكل وعي يُشوَّه، وكل شائعة تُبث، وكل حالة انقسام تُغذى… هي في حقيقتها طلقات غير مرئية في معركة لا تقل شراسة عن أي حرب تقليدية.
وإذا كان العدو قد أدرك منذ زمن أن السيطرة الحقيقية لا تكون فقط باحتلال الأرض، بل باحتلال العقل، فإن التحدي الأكبر أمامنا اليوم هو أن نعي نحن أيضًا طبيعة هذه الحرب المركبة، وأن نتحرر من النظرة الضيقة التي تختزل الصراع في مشهد عسكري عابر. فالهزيمة لا تبدأ عندما نخسر معركة، بل عندما نفقد وعينا، ونسمح للآخر بأن يُعيد تشكيل مفاهيمنا وقيمنا وفق ما يخدم أهدافه.
إنها معركة على الهوية، على الانتماء، على الذاكرة، وعلى المستقبل. معركة تُدار فيها الأموال كما تُدار الأسلحة، وتُستخدم فيها المنابر كما تُستخدم الجيوش، وتُحشد فيها الجماهير كما تُحشد القوات. وكل ذلك يؤكد أننا أمام مشروع متكامل لا يعرف التوقف، ولا يعترف بأنصاف الحلول، بل يسعى إلى فرض واقع جديد بكل الوسائل الممكنة.
ومن هنا، فإن المواجهة الحقيقية لا تكون فقط في ميادين القتال، بل تبدأ من بناء الإنسان الواعي، القادر على التمييز، المتمسك بثوابته، الرافض للتزييف، المدرك لحجم التحدي. تبدأ من أسرة تُربي على القيم، ومدرسة تُحصن العقول، وإعلام صادق يكشف الحقائق، ومجتمع متماسك لا تسمح مكوناته بالاختراق أو التفكك.
إنها مسؤولية جيل بأكمله، بل أمة بأسرها، أن تدرك أن هذه الحرب لن تُحسم بالسلاح وحده، بل بالوعي، والإرادة، والصمود، والعمل المتواصل في كل مجال من مجالات الحياة. فالمعركة اليوم لم تعد على حدود جغرافية فحسب، بل على حدود الوعي ذاته… ومن يملك وعيه، يملك مستقبله، ومن يفرط فيه، يخسر كل شيء.
وهكذا، يبقى اليقين ثابتًا: أن الصراع بيننا وبينهم ليس حربًا عسكرية فقط، بل هو صراع شامل على كل مفاصل الحياة… صراع على الأرض والعقل، على الحاضر والمستقبل، على الحقيقة والزيف… ومن يدرك هذه الحقيقة، يدرك أن طريق النصر يبدأ من هنا.

حسين السمنودى ”منظمة إيرتس هكوديش”.. فرسان الاستيطان ومخططاتها القذرة الجارديان المصريه