الجمعة 1 مايو 2026 07:38 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

ضاحى عمار يكتب : حين يتأخر الحساب كيف ينتصر العدل الإلهي في صمت

الكاتب الكبير ضاحى عمار
الكاتب الكبير ضاحى عمار

في لحظات كثيرة من الحياة، يمر الإنسان بتجارب قاسية يظن خلالها أن الظلم قد انتصر، وأن الحقيقة اختفت خلف ضجيج المصالح والأقنعة. قد يشعر المظلوم أن حقه قد ضاع، وأن الذين تسببوا في ألمه قد مضوا في حياتهم من دون أن يواجهوا أي عاقبة، لكن الحقيقة التي تؤكدها الأيام والتجارب أن العدل الإلهي لا يغيب، وأن ما يُزرع في الخفاء لا بد أن تظهر ثماره في العلن مهما طال الزمن.
الظلم قد يمنح صاحبه شعورًا مؤقتًا بالقوة، وقد يعتقد من أساء إلى الآخرين أنه أفلت من الحساب، لكن سنن الحياة التي أودعها الله في الكون لا تتغير. فكل كلمة جارحة، وكل خيانة، وكل ألم تسبب فيه إنسان لغيره، يظل محفوظًا عند رب لا يغفل ولا ينسى.
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42].
هذه الآية تحمل رسالة واضحة لكل من ظن أن الظلم يمر بلا حساب، فالله سبحانه وتعالى يعلم خفايا النفوس، ويرى ما لا يراه الناس، ويؤخر العقاب لحكمة قد لا يدركها الإنسان في لحظته الحالية.
في كثير من الأحيان، لا يأتي العدل الإلهي بالصورة التي يتوقعها البشر، فقد لا يكون الانتقام المباشر هو النهاية، بل قد يكون العقاب في صورة قلق دائم، أو فقدان للراحة، أو اضطراب داخلي يجعل الإنسان يواجه نفسه دون قدرة على الهروب من الحقيقة. هناك من يبدو سعيدًا أمام الناس، لكنه يحمل في داخله شعورًا لا يفارقه بالضيق والخوف والاضطراب، لأن آثار الأذى الذي تسبب فيه للآخرين لا تختفي بسهولة.
وقد أشار النبي ﷺ إلى خطورة الظلم وعاقبته حين قال: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة).
فالظلم ليس مجرد موقف عابر، بل عبء ثقيل يرافق صاحبه، ويترك أثره في الدنيا قبل الآخرة. وكثيرًا ما نشاهد في الحياة أن من تسبب في ألم الآخرين يعود ليعيش التجربة ذاتها بطريقة مختلفة، وكأن الأيام تعيد إليه ما صنعه بيديه.
أما المظلوم، فقد يظن أحيانًا أن صبره ذهب بلا مقابل، وأن سكوته لم يغير شيئًا، لكنه في الحقيقة لا يرى المشهد كاملًا. فبينما يعيش الألم، تكون الحكمة الإلهية ترتب الأحداث في صمت، وتمنحه قوة داخلية لا يدركها إلا بعد مرور الوقت.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: 38].
هذه الآية تمنح الطمأنينة لكل قلب أنهكته الخسارة أو الخذلان، فالدفاع الإلهي لا يكون دائمًا ظاهرًا للعيان، لكنه يتحقق في توقيت دقيق، وبطريقة تحمل من الحكمة ما يفوق توقعات البشر.
الصبر أمام الظلم ليس ضعفًا، بل قوة نادرة. فليس كل من يصمت عاجزًا، بل قد يكون الصامت أكثر إدراكًا بأن الحق لا يضيع عند الله. هناك لحظات يختار فيها الإنسان أن يترك أمره لله، لا لأنه فقد القدرة على المواجهة، بل لأنه يدرك أن العدالة الحقيقية لا تحتاج إلى صراخ، وإنما إلى يقين.
وقد ورد في الحديث القدسي: يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا.
وهذا يؤكد أن الظلم ليس مجرد خطأ أخلاقي، بل تجاوز لحدود الله في التعامل بين الناس.
حين ينظر الإنسان إلى الماضي، يدرك أن كثيرًا من الجراح التي ظن أنها نهاية الطريق كانت في الحقيقة بداية لنضج جديد وقوة مختلفة. فالألم لا يمر عبثًا، بل يترك أثرًا يصنع من الإنسان نسخة أكثر وعيًا وصلابة.
قد يخرج المظلوم من التجربة منهكًا، لكنه يخرج أيضًا أكثر فهمًا للحياة، وأكثر قدرة على التمييز بين الوجوه الحقيقية والأقنعة الزائفة. بينما يظل الظالم أسيرًا لما زرعه بيده، لأن نتائج الأفعال لا تختفي مهما حاول الإنسان تجاهلها.
يقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].
هذه القاعدة الربانية تؤكد أن كل شيء محفوظ، وأن الحساب لا يضيع مهما بدا بعيدًا. فلا خير يختفي، ولا ظلم يمر بلا أثر.
وفي النهاية، يبقى اليقين هو السند الحقيقي لكل إنسان تعرض للأذى. فالحياة قد تتأخر في كشف الحقائق، لكنها لا تخفيها إلى الأبد. والعدل الإلهي قد يأتي ببطء، لكنه حين يصل يكون أكثر عمقًا وتأثيرًا من أي رد فعل بشري.
ولهذا، لا تجعل الظلم يسرق منك إيمانك أو سلامك الداخلي، لأن ما عند الله لا يضيع، ولأن الحقيقة التي تثبتها الأيام دائمًا أن العدل قد يتأخر، لكنه لا يغيب أبدًا.

ضاحى عمار مقالات ضاحى عمار ضاحى عمار يكتب: حين يتأخر الحساب كيف ينتصر العدل الإلهي في صمت الجارديان المصريه