الجمعة 1 مايو 2026 07:35 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور علاء الحمزاوي يكتب : الاحتيال المالي في الإسلام

دكتور علاء الحمزاوي
دكتور علاء الحمزاوي

ــ المال هو إحدى الضرورات التي أمر الإسلام بحفظها؛ لأنه إحدى الركائز الأساسية التي تنهض عليها الأمـة، بل إن الحياة تقوم عليه ولا تستقر بدونه؛ لذا ورد في القرآن قرابة ثمانين مرة لإظهار أهميته في المجتمع، وهـو ثلاثة أنواع: مال خاص يملكه الإنسان ومال مؤتَمَن عليه لغيره ومال عام ملك للمجتمع أو الدولة، وقد استخلف الله الإنسان على المال، فهو مطالَب بصيانته، فجاء في الحديث «مَن قُتِل دون ماله فهو شهيد» أي من مات دفاعا عن ماله، وقال ربنا في مال اليتيم {مَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ}، وقال في مال السفيه: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ}، فالسفهاء رجالا ونساء وأطفالا ويتامى هم الذين لا يحسنون التصرف في أموالهم؛ فنهى الله أولياءهم أن يعطوهم إياها وهم سفهاء؛ لأنهم قد يفقدونها بسوء التصرف فيها، ومعنى {قياما} أن الأولياء أمناء على أموال السفهاء ويقومون على رعايتهم رعاية كاملة، ومع أن الأموال للسفهاء نسبها القرآن للأوياء فقال: {أَمْوَالَكُمُ} للمبالغة في صيانتها وحفظها؛ فهي أمانة لديهم حتى يحسن أصحابُها التصرُّفَ فيها، فيردوها إليهم، واجعلوا لهم فيها رزقا فإن الرزق من الله.
ــ والاحتيال هو ما يتحول به الإنسان من حال إلى حال، وله صورتان: إحداهما: الوصول إلى الهدف بذكاء ولطف وحسن تدبير دون ذنب ولا ظلم لأحد، وهو بهذا المعنى محمود، وهو الوارد في قول الله: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} أي إلا الذين لم يستطيعوا أن يحتالوا على الكفار للتخلص من الإقامة معهم فلا يأثمون، ولو كانوا يملكون الاحتيال ولم يحتالوا لأثمـوا، وخير مثال له احتيال سيدنا يوسف لأخذ أخيه، والصورة الأخرى للاحتيال: الوصول إلى الهدف بالمكر والخداع والخيانة والتدليس وهو بهذا المعنى حرام؛ لأنه استخدام طرق ملتوية وخفية للتوصُّل إلى ما هو غير مباح ولا مشروع.
ــ ومن مظاهره الاحتيال المالي، وهـو سلب أموال الآخرين بالباطل عبر استغلال ثقتهم أو استغلال جهلهم بوسائل التواصل الحديثة أو استغلال جهلهم بالثغرات القانونية، فهو آفــة تهدد الأمان المالي للمجتمع والدولة؛ لذا عـــدَّ القانون المصري الاحتيال جُنحة يرتكبها مَن يبتزُّ مال الغير بالخَديعة، ومن مظاهر الاحتيال المالي "المستريح"، وهو شخص خائن ماكر مخادع يوهم الناس باستثمار أموالهم مقابل أرباح مجزية مغرية ويعطيهم بعضها في البداية لكسب ثقتهم ثم يستولي على أموالهم، ومنها الاحتيال الإلكتروني بسرقة بيانات البطاقات الائتمانية أو الحسابات البنكية عبر روابط وهمية ومكالمات هاتفية خادعة، ومنها الاحتيال بتزوير مستندات للحصول على مكتسبات غير مستحقة، ومنها التلاعب في البيع والشراء بإخفاء العيوب في السلع والغش في السعر والميزان.
ــ لذا وضع الإسلام ضوابط للحصول على المال والتصرُّف فيه، فحَرَّم اكتسابه بالوسائل التي تُخِلُّ بالتوازن المجتمعي، ومن تلك الوسائل الاحتيال الذي يتم بالغش والخداع والخيانة، فقال النبي: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»، وقال: «إنَّ رجالاً يتخوَّضون في مال الله بغير حقٍّ، فلهم النارُ يومَ القيامة» يتخوضون: يَتَصرَّفون فيه بالباطل، ومن الباطل الاحتيال بالخيانة، وهو ما أكده حديث «مَـنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» مِخْيَطا: إبرة أو خيطا، والغُلُول المسروق المكتوم يحمله على رأسه يوم القيامة فيُفتضَح به، والاحتيال يخرج المـرء عن الإيمان، ففي الحديث «لا يَغُلُّ أحدُكم حِينَ يَغُلُّ وهو مُؤمِنٌ»، أي أن المؤمن لا يخون ولا يخدع ليسلب أموال غيره.
ــ ومن ثم يعــد الاحتيال المالي من كبائر الذنوب والجرائم الأخلاقية والشرعية؛ لأنه أكل لأموال الناس بالغـش والخداع والمكر والخيانة، وهو ما يتنافى مع مبادئ العدل والأمانة والشفافية التي أرساها الإسلام، فحذَّر الله من المكر والخداع فقال: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} يحيق: يحيط، والمعنى أن الماكر يعود مكره عليه، وقال: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ} يبور: يفسد، والمعنى أن الذين يحققون مكتسبات بالمكر لهم عذاب شديد، ومكتسباتهم لن تنفعهم، فالمحتالون لا ينفعهم المال الحرام، ونهى الله عن أكل مال الآخرين، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}، فالمراد بـ{أموالكم} المال الخاص والمال الأمانة والمال العام الذي هو ملك لكل مواطن، ومن مظاهر الباطل الاحتيال المالي.
ــ وبانتفاء ظاهرة الاحتيال المالي ترتفع منظومة القيم الأخلاقية في المجتمع، فتزيد الثقة بين الناس في العلاقات الاجتماعية والمعاملات المالية، ويزيد التعاون والترابط بين الأفــراد والمؤسسات، وتقل الجرائم المالية، ويزيد السعي للعمل الجاد ولو كان شاقا بدل من الكسل والطمع في الربح السريع الحرام؛ فيحدث انتعاش اقتصادي يسهم في تحقيق الأمـن والاستقرار المجتمعي والنهوض بالدولة.

دكتور علاء الحمزاوي الاحتيال المالي في الإسلام الجارديان المصريه