الجمعة 26 يونيو 2026 11:26 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور / سمير أبو الخير يكتب: الغيبة والتشهير بالناس... هي جريمة أخلاقية قبل أن تكون خطأً اجتماعيًا

دكتور / سمير أبو الخير
دكتور / سمير أبو الخير

إنها من أخطر ما ابتُليت به مجتمعاتنا في هذا الزمان ، إن البعض أصبح يتهاون في أعراض الناس وسمعتهم، فينشر الكلام، ويُذيع الأسرار، ويُشهِّر بالآخرين دون تثبت أو رحمة أو مراعاة لعواقب ما يكتب أو يقول. فلقد جعل الإسلام حفظ كرامة الإنسان وصيانة عرضه من أعظم الحقوق، فقال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾.
وقال سبحانه:﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. والتشهير ليس مجرد كلمات تُقال ثم تنتهي، بل قد يكون سببًا في تحطيم إنسان، أو هدم أسرة، أو إفساد علاقات، أو إلحاق أذى نفسي ومعنوي قد يمتد أثره لسنوات طويلة.
وقد حذر النبي ﷺ من إيذاء الناس في أعراضهم فقال: "كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه". فكم من كلمة كُتبت في لحظة غضب، أو نُشرت بدافع الانتقام، كانت سببًا في ظلمٍ عظيم وندمٍ طويل لا ينفع معه الاعتذار بعد أن تنتشر الإساءة ويصعب جمعها أو محو آثارها، إن من شيم الكبار وأصحاب المروءة أنهم إذا اختلفوا حفظوا للناس أقدارهم، وإذا غضبوا لم يظلموا، وإذا تكلموا راقبوا الله في كلماتهم. أما التشهير فهو سلاح الضعفاء الذين يعجزون عن مواجهة الخطأ بالحكمة والعدل.وتبقى الحكمة الخالدة "إذا أردت أن تهدم إنسانًا فشوِّه سمعته، وإذا أردت أن تكون إنسانًا فاحفظ للناس كرامتهم."فلنتذكر دائمًا أن ما نكتبه اليوم سنقف بين يدي الله مسؤولين عنه غدًا، وأن ستر الناس من أعظم القربات، وأن الجزاء من جنس العمل، فمن ستر مسلما ستره الله، ومن آذى عباد الله بلسانه أو قلمه فليخشَ يومًا تُؤخذ فيه الحقوق كاملة لا يضيع منها شيء. حفظ الله ألسنتنا وأقلامنا من الظلم، وجعلنا ممن يبنون ولا يهدمون، ويصلحون ولا يفسدون ،فالغيبة قد عرفها العلماء بأنها اسم من اغتاب اغتياباً، إذا ذكر أخاه بما يكره من العيوب وهي فيه، فإن لم تكن فيه فهو البهتان، كما في الحديث: "قيل ما الغيبة يا رسول الله؟ فقال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته" رواه مسلم ،والغيبة محرمة بالكتاب والسنة والإجماع، وعدَّها كثير من العلماء من الكبائر، وقد شبه الله تعالى المغتاب بآكل لحم أخيه ميتاً فقال: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه) [الحجرات: 12].
ولا يخفى أن هذا المثال يكفي مجرد تصوره في الدلالة على حجم الكارثة التي يقع فيها المغتاب، ولذا كان عقابه في الآخرة من جنس ذنبه في الدنيا، فقد مرَّ النبي الكريم ليلة عرج به بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، قال: فقلت: "من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" والأحاديث في ذم الغيبة والتنفير منها كثيرة. وأسبابها الباعثة عليها كثيرة منها: الحسد، واحتقار المغتاب، والسخرية منه، ومجاراة رفقاء السوء، وأن يذكره بنقص ليظهر كمال نفسه ورفعتها، وربما ساقها مظهراً الشفقة والرحمة، وربما حمله عليها إظهار الغضب لله فيما يَدَّعي.. إلى غير ذلك من الأسباب ،وأما علاجها فله طريقان: طريق مجمل، وطريق مفصل كما ذكر الغزالي فالأول: أن يتذكر قبح هذه المعصية، وما مثل الله به لأهلها، بأن مثلهم مثل آكلي لحوم البشر، وأنه يُعرِّض حسناته إلى أن تسلب منه بالوقوع في أعراض الآخرين، فإنه تنقل حسناته يوم القيامة إلى من اغتابه بدلاً عما استباحه من عرضه، فمهما آمن العبد بما ورد من الأخبار في الغيبة لم يطلق لسانه بها خوفاً من ذلك. أما طريق علاجها على التفصيل: فينظر إلى حال نفسه، ويتأمل السبب الباعث له على الغيبة فيقطعه، فإن علاج كل علةٍ بقطع سببها.
فإن وقع العبد في هذا الذنب فليرجع إلى الله سبحانه وليتب إليه، وليبدأ فليتحلل ممن اغتابه، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كانت له عند أخيه مظلمة من عرضه أو شيء فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه" متفق عليه من حديث أبي هريرة.

دكتور / سمير أبو الخير الغيبة والتشهير بالناس... هي جريمة أخلاقية قبل أن تكون خطأً اجتماعيًا الجارديان المصريه