الإثنين 29 يونيو 2026 02:24 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. ماجده عبد الحي تكتب: ليست أزمة تكنولوجيا… فالعيب فينا لا في الزمان

د.د. ماجده عبد الحي
د.د. ماجده عبد الحي

منذ أن خلق الله الإنسان، والصراع بين الخير والشر قائم. وأول جريمة في تاريخ البشرية لم تكن بسبب هاتف محمول أو شبكة إنترنت، بل حين قتل قابيل أخاه هابيل بدافع الحقد والغيرة. وهذا يذكرنا بأن الجريمة ليست وليدة عصرنا، وأن الشر كان موجودًا منذ بداية الخليقة، لكن ما تغيّر اليوم هو سرعة انتشاره، وقدرته على الوصول إلى كل بيت، وتأثيره في عقول الصغار والكبار.

كل صباح نستيقظ على أخبار قتل، أو اعتداء، أو استغلال للأطفال، أو تفكك أسري، أو عنف يتصدر العناوين. ثم نُسارع إلى اتهام الزمن، وكأن الأيام هي التي ارتكبت الجرائم.

لكن الحقيقة أبسط وأصعب في الوقت نفسه.

الزمن بريء… والتكنولوجيا أيضًا بريئة.

فالهاتف المحمول لم يُصنع ليكون وسيلة للخيانة، أو الابتزاز، أو نشر الكراهية، أو إضاعة الأعمار، وإنما صُنع ليكون وسيلة للعلم، والعمل، والتواصل، وصلة الرحم. المشكلة ليست في الأداة، بل في طريقة استخدامنا لها، وفي الضمير الذي يوجهها.

ومن الناحية النفسية، فإن الإنسان يتعلم بالملاحظة أكثر مما يتعلم بالكلمات. فالطفل يقلد، والمراهق يبحث عن قدوة، والشاب يتأثر بما يتكرر أمامه. وعندما يتحول العنف إلى ترفيه، والابتذال إلى وسيلة للشهرة، والإساءة إلى مادة تجذب المشاهدات، فإن بعض الأبناء يبدأون في تقليد ما يرونه، خاصة إذا غاب الحوار داخل الأسرة، وضعف التوجيه، وأصبحت الشاشة أقرب إليهم من والديهم.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي:

من يُربي أبناءنا اليوم… الأسرة أم الشاشة؟

لقد أصبح كثير من الآباء والأمهات يعرفون كل جديد على مواقع التواصل، لكنهم لا يعرفون ما يدور في قلوب أبنائهم. نجلس في غرفة واحدة، بينما يعيش كل فرد في عالمه الرقمي. نتابع أخبار الغرباء، ونغفل عن أحلام أولادنا، ومخاوفهم، وأصدقائهم، وما يشاهدونه كل يوم.

لهذا، أدعو كل أسرة إلى تجربة بسيطة قد تُحدث أثرًا كبيرًا. خصصوا يومًا واحدًا في الأسبوع، أو حتى ساعتين، تُغلق فيها الهواتف، وتُفتح فيها القلوب. اجلسوا معًا، وتحدثوا دون استعجال. اسألوا أبناءكم: ماذا تحبون؟ ماذا تكرهون؟ من أصدقاؤكم؟ ماذا تشاهدون؟ وما الذي يشغل عقولكم؟ واحكوا لهم أنتم أيضًا عن يومكم، وعن نجاحاتكم وإخفاقاتكم. فالأسرة التي تتحاور تبني داخل أبنائها مناعة نفسية لا تصنعها أي شاشة.

ويبقى سؤال آخر لا يقل أهمية:

أي مستقبل نصنعه لهذا الجيل؟

هل نُعد أبناءنا ليخرج من بينهم علماء ومبدعون وقادة يحملون راية الوطن، أم أننا نترك أحلامهم تُختزل في مطاردة الشهرة السريعة وعدد المتابعين؟

لسنا ضد الفن، ولا ضد الترفيه، لكننا ضد اختلال ميزان القدوة. نريد أن يعرف أبناؤنا أن النجاح ليس فقط في أن تكون مشهورًا، بل في أن تكون صاحب أثر. وأن العلم، والبحث، والأدب، والتضحية من أجل الوطن، هي أيضًا نماذج تستحق أن تُحتذى.

لقد أنجبت هذه الأمة علماء ومفكرين وأدباء وأبطالًا تركوا بصمة خالدة. والسؤال ليس: هل يستطيع هذا الجيل أن يكرر التجربة؟ بل: هل وفرنا له البيئة التي تساعده على ذلك؟ وهل قدمنا له القدوة التي تستحق أن يقلدها؟

إن حماية الوطن لا تبدأ من الحدود فقط، بل تبدأ من كل بيت. تبدأ من أب يحتضن ابنه، وأم تنصت لابنتها، وأسرة تجعل الحوار عادة، والاحترام قيمة، والوعي أسلوب حياة.

فلنكف عن اتهام الزمن، ولنكف عن تحميل التكنولوجيا ما لا تحتمل.

فالمشكلة ليست أزمة تكنولوجيا…

وليست أزمة زمن…

إنها أزمة وعي، وتربية، وقدوة، ومسؤولية.

وجربوا، ولو مرة واحدة، أن تُغلقوا هواتفكم وتفتحوا أبواب الحوار داخل بيوتكم. فقد تكون ساعة صادقة مع أبنائكم سببًا في بناء إنسان، وبناء الإنسان هو الطريق الأقصر لبناء وطن.

فالعيب ليس في الزمان… وإنما في الإنسان عندما ينسى إنسانيته، ويترك الشاشات تربي أبناءه بدلًا منه.

د. ماجده عبد الحي ليست أزمة تكنولوجيا… فالعيب فينا لا في الزمان