الجمعة 10 يوليو 2026 06:34 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور علاء الحمزاوي يكتب: يا عائشة ارفقي!

دكتور علاء الحمزاوي
دكتور علاء الحمزاوي

ــ هذا العنوان مطلع حديث النبي «يَا عَائِشةُ ارْفُقِى؛ فإنَّ اللهَ إذا أرادَ بأهلِ بيتٍ خيرًا أَدخَلَ عليهِمُ الرِّفقَ»، والمراد بالرفق اللين واليسر ضد الشدة والعنف، فالإنسان الرفيق هـو السهل اللين الهيَّن في علاقاته ومعاملاته، ولا يرادفه الضعف؛ فالمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، ويأتي الحديث في إطار حرص النبي على سيادة الاستقرار في الأسرة فذلك استقرار للمجتمع، ولا يتحقق إلا بالرفــق، فجاءت توجيهاته الكريمة تمدح الرفـق في البيوت وتحث عليه، فالبيوت العامرة هي البيوت التي يسودها الرفق من كل الأطراف فيعمرها الخير والوئام وتعمُّـها البركة والسعادة، ونفهم من الحديث أن الرفق يجلب الخير وأنه نعمة من الله يُسبِغها على بيوت المؤمنين شريطة السعي أن يتصفوا به، وخير البيوت بيت عائشة!
ــ وكان النبي حريصا أن تتحلى السيدة عائشة بالرفق بوصفها نموذجا للمرأة يُحتذَى به؛ فقال لها: «يَا عائِشةُ إنَّ اللهَ رَفيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، ويُعطي على الرِّفقِ ما لا يُعطي على العُنفِ»، أي أن الله لطيف بعباده يحبهم أن يتصفوا باللين، وأنه يثيب بالرفق ما لا يثيب بالشدة في فعل الخير، لكن كل أمهات المؤمنين نماذج مضيئة فلماذا النصح لعائشة؟ لأنها ردَّت على اليهود بشدة لما دعوا على النبي بالسام (الموت)، ففي الحديث «أنَّ اليَهودَ أتَوُا النَّبيَّ، فقالوا: السَّامُ عليك، قال: وعلَيكُم، فقالت عائِشةُ: السَّامُ علَيكُم ولَعَنَكُمُ اللهُ وغَضِبَ علَيكُم، فقال رَسولُ اللهِ: مَهلًا يا عائِشةُ عليكِ بالرِّفقِ، وإيَّاكِ والعُنفَ أوِ الفُحشَ، قالت: أو لَم تَسمَعْ ما قالوا؟ قال: أو لَم تَسمَعي ما قُلتُ؟ رَدَدتُ عليهم، فيُستَجابُ لي فيهم ولا يُستَجابُ لهم فيَّ».
ــ وهذا يعني أن الرفق مطلوب حتى مع الخصوم والأعداء؛ وهو ما أكده حديث «إنَّ اللهَ يُحبُّ الرفقَ في الأمرِ كلِّه»؛ لأن أي رسالة لا تصل إلى القلوب إلا بالرفـق؛ لذا أمر الله موسى وهارون بالرفق في دعوة الطاغية، فقال لهما: {اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا}، وكان القول اللين {هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ} أي هل ترغب أن أدعوك لتتطهَّر من دنس الذنوب والكفر وتؤمِن بربك؟ والحكمة من القول اللين أن يسمعهما فيستجيب، وهو ما عبَّر عنه القرآن بقوله: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} أي لعله يرجع عن كفره وطغيانه ويؤمن بالله، وتحقق ذلك لفرعون حين أدركه الغرق إذ قال: {آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ}، لكن لم ينفعه إيمانه؛ حيث قال الله له: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ}.
ــ ونفهم من ذلك أن الرفق يترك أثرا كبيرا في النفس ويضع القبول لصاحبه في الأرض؛ لذا قال النبي: «إنَّ الرِّفقَ لا يَكونُ في شَيءٍ إلَّا زانَه، ولا يُنزَعُ مِن شَيءٍ إلَّا شانَه» والزينة الجمال، والشين العيب، وقال: «مَنْ أُعْطِىَ حظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فقدْ أُعْطِىَ حظَّهُ مِنَ الخيرِ، ومَنْ حُرِمَ حظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الخيرِ»؛ لأن الرفق يستميل القلوب ويحفز على الطاعة ويفتح أبواب الخير، ويضع لصاحبه القبول في الناس؛ لذا امتنَّ الله على رسوله بالرفق، فقال له: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، فالرحمة تجلب الرفق والرفق يجمع الناس، إنما الغلظة والفظاظة تفرِّقانهم؛ لأن الفظاظة خشونة السلوك والغلظة قسوة القلب، والناس بحاجة إلى قلب هيَِن ليِّن يستوعبهم ويجذبهم ولا يضيق بهم، فكان ذلك القلب هو قلب النبي.
ــ فكان النبي يعيش الـرفـــق في سائر أحواله الدينية والدنيوية لدرجة أن قال أنس: «خدَمْتُ رسولَ اللهِ عشرَ سنينَ، فما قال لي: أُفٍّ قطُّ، وما قال لي لشيء صنعتُه: لِمَ صنعتَه؟ ولا لشيء تركتُه: لِمَ تركتَه؟ وكان رسولُ اللهِ أحسنَ الناسِ خُلُقًا، ولا مسستُ خَــزًّا ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألينَ من كفِّ رسولِ اللهِ، ولا شممتُ مِسْكًا ولا عطرًا كان أطيبَ من عَرَقِ النبيَّ»، وتخبرنا عائشة بأنه «ما خُيِّرَ رَسولُ اللهِ بينَ أمرَينِ قَطُّ إلَّا أخَذَ أيسَرَهما ما لم يَكُنْ إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعَدَ النَّاسِ منه، وما انتَقَمَ رَسولُ اللهِ لنَفسِه في شيءٍ قَطُّ إلَّا أن تُنتَهَكَ حُرمةُ اللهِ، فيَنتَقِمَ بها للَّهِ».
ــ وكان النبي رفيقا في توجيهاته كلها، وهذه ميزة عظيمة نحتاجها الآن، فذات مرة «قامَ أعرابيٌّ فبالَ في المَسجِدِ فتَناولَه النَّاسُ، فقال لهمُ النَّبيُّ: دَعوه وهَريقوا على بَولِه سَجْلًا مِن ماءٍ أو ذَنوبًا مِن ماءٍ؛ فإنَّما بُعِثتُم مُيَسِّرينَ، ولَم تُبعَثوا مُعَسِّرينَ» والسْجل الدلو، و«جاءَه رَجُلٌ فقال: هَلَكتُ! قال: وما شَأنُكَ؟ قال: وقَعتُ على امرَأتي في رَمَضانَ، قال: هل تَجِدُ ما تُعتِقُ رَقَبةً؟ قال: لا، قال: فهل تَستَطيعُ أن تَصومَ شَهرَينِ مُتَتابِعَينِ؟ قال: لا، قال: فهل تَستَطيعُ أن تُطعِمَ سِتِّينَ مِسكينًا؟ قال: لا أجِدُ، فأُتيَ النَّبيُّ بعَرَقٍ فيه تَمرٌ، فقال: خُذْ هذا فتَصَدَّقْ به، فقال: أعَلى أفقَرَ مِنَّا؟ ما بينَ لابَتَيها أفقَرُ مِنَّا، ثُمَّ قال: خُذْه فأطعِمْه أهلَكَ»، والعَرَق مكيال يُقدَّر بأكثر من ثلاثين كيلو، و(لابتيها) مثنى لابَـة وهي الأرض المليئة بالحجارة السوداء، والضمير (هـا) للمدينة المنورة تحيط بها الحجارة من الشرق والغرب، والمراد أنه لا يوجد في المدينة أفقر من هذا الرجل! ورُوي أنَّ رجلًا أصاب من امرأةٍ قُبلة، فأتَى النَّبيَّ فسألَه عن كفَّارتِها، فلم يعنِّفه إنما أمهله يصلي معه العصر، فنزلت آيــة {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}، فتلاها النبي على الرجل، فقال الرَّجلُ: ألي هذه يا رسولَ اللهِ؟ فقال: لك ولمَن عمِلَ بها من أُمَّتي.
ــ ومع كل ذلك ينخدع بعض المسلمين بما يدَّعيه الغرب من التحضُّر في اهتمامه بإنشاء "جمعيات الرفق بالحيوان"، ونسوا أو تناسوا أن الرفيق الأول في البشرية بالإنسان والحيوان هو رسول الله، فقد رُوي أن دخل بستانا لرجل من الأنصار فإذا جمل موجود، فلما رأى الجملُ النبيَّ حـــنَّ وذرفتْ عيناهُ، فأتاه النبيُّ فمسح على ظهره ورأسه فسكن الجمل، فقال النبي: لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار، فقال: لي يا رسول الله، فقال: «أفلا تتقي اللهَ في هذه البهيمةِ التِي مَلَّكَكَ اللهُ إيَّاها؟! فإنَّهُ شكَا إليَّ أنكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ» أي تتعبه، كما أخبر النبي أن رجلا دخل الجنة في كلب كان يلهث عطشا فسقاه.

دكتور علاء الحمزاوي يا عائشة ارفقي الجارديان المصريه