الجمعة 13 فبراير 2026 10:00 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

سماح عزام تكتب : رمضان ليس شهرًا يمضي في التقويم،بل تقويمٌ يمضي فينا

الكاتبة الكبيرة سماح عزام
الكاتبة الكبيرة سماح عزام

ليس زمنًا يزورنا ثلاثين يومًا،بل مرآةً نُزار فيها إلى أعماقنا،فنرى ما خفي من صدأ الروح وما تراكم من غبار العادة،فنمسح،ونجلو،ونستعيد أسماءنا الأولى كما نطقها القلب قبل أن تتثاقلها الحياة.
رمضان ليس امتناعًا عن الطعام بقدر ما هو امتناعٌ عن الضجيج؛هو تدريبٌ سرّي على خفّة المعنى،حين يتراجع الجسد خطوةً إلى الوراء ليتقدّم المعنى خطوتين،فنكتشف أن الجوع ليس عجزًا بل بوصلة،وأن العطش ليس حرمانًا بل تذكيرٌ بأن في الداخل نهرًا ينتظر أن يُفتح له مجرى.
في رمضان تتبدّل هندسة الوقت؛الدقائق لا تُقاس بعقارب الساعة،بل بخفقات الدعاء،والليل لا يُقاس بظلمته،بل بقدر ما يتوهّج فيه من قيامٍ ودمعةٍ واعترافٍ صادق؛تصير المدن أقلّ صخبًا وأكثر إنصاتًا،وتصير البيوت أقلّ اتساعًا وأكثر دفئًا،كأن الشهر يعيد ترتيب الأثاث الداخلي للإنسان،فيضع الرحمة في صدر المجلس،ويُجلس الكبرياء في الزاوية ليعتذر.
رمضان هو المدرسة الوحيدة التي يُختبر فيها الغنيّ والفقير بالامتحان نفسه؛الجوع المشترك يمحو فوارق الموائد،ويصنع أخوّةً خفيّة بين من يملك ومن لا يملك،فنكتشف أن العدالة ليست فكرةً تُناقش،بل شعورًا يُذاق؛حين تمتدّ يدُك إلى لقمةٍ بعد أذان المغرب،تتذكّر يدًا أخرى لم تمتدّ،فتسأل نفسك:كيف يكون الشبع نعمةً إن لم يصحبه شكرٌ وعطاء؟
هو شهر الاقتصاد في كل شيء إلا في النور؛نقتصد في الطعام لنُسرف في الصفح،نقتصد في الكلام لنُسرف في الذكر،نقتصد في النوم لنُسرف في السجود؛كأن المعادلة الإلهية تقول:خفّف عن جسدك ليزداد قلبك،واطرح من حملك ليعلو مقامك،وتنازل عن بعضك لتجد كلّك.
في رمضان،تتعلم الروح فنّ التأجيل الجميل؛تؤجّل رغبتك دقائق لتربح إرادتك أعوامًا،وتؤجّل غضبك لحظة لتربح سلامك عمرًا،وتؤجّل شهوة اللسان عن أذى الآخرين لتربح نقاءك أمام نفسك؛هنا يتكوّن الإنسان الجديد،لا بالصخب ولا بالشعارات،بل بقرارٍ صغير يتكرر ثلاثين مرة حتى يصير طبعًا راسخًا.
ليس رمضان موسمًا عابرًا للعبادة،بل موسمًا لإعادة تعريف النجاح؛النجاح ليس ما تُضيفه إلى رصيدك،بل ما تحذفه من ذنوبك،وليس ما تُظهره للناس،بل ما تُخفيه بينك وبين ربك؛هو سباقٌ لا يُصفّق فيه الجمهور،ولا تُرفع فيه الكؤوس،بل تُرفع فيه الأكفّ،وترتفع معه الأرواح.
رمضان أيضًا حوارٌ صامت مع القرآن؛ليس تلاوة حروف فحسب،بل استدعاء معنى،وتحرير سؤال،وتسكين قلق؛حين يمرّ بك وعدٌ فتبتسم،ووعيدٌ فترتجف،وحكمةٌ فتطمئن،تعرف أن الكتاب لا يُقرأ،بل يُقيم فيك؛يصير قلبك صفحةً أخرى،ويصير صوتك امتدادًا لذلك النور الأول الذي بدأ بـ«اقرأ».
ومن زوايا أخرى،رمضان هو شهر الذاكرة؛نتذكّر وجوهًا غابت كانت تجلس معنا على مائدة الإفطار،فنرفع لها دعاءً خافتًا،ونتذكّر أخطاءً قديمة فنطلب لها عفوًا واسعًا؛كأن الشهر يعلّمنا أن الزمن لا يُقاس بما نأكل ونشرب،بل بما نغفر ونعتذر ونصل.
هو شهر السياسة الداخلية للروح؛فيه تُعاد كتابة الدستور الأخلاقي:العدل أساس التعامل،والصدق شرط القبول،والرحمة لغة الخطاب،والتقوى معيار التفاضل؛وحين تنقضي الأيام،لا يُسأل المرء:كم جعت؟بل يُسأل:كم ارتقيت؟كم تصالحت؟كم سامحت؟
رمضان ليس نهاية العادة السيئة فحسب،بل بداية العادة الحسنة؛هو الجسر بين ما كنّا وما ينبغي أن نكون،والنافذة التي إن فُتحت مرةً على مصراعيها،صار الضوء ضيفًا دائمًا لا زائرًا موسميًا؛فطوبى لمن لم يجعل رمضان محطةً للعبور،بل جعله وجهةً يقيم فيها قلبه عامًا كاملًا،ويعود إليه كلما أثقلته الدنيا،ليتذكّر أن في الصوم سرّ الحرية،وفي القيام سرّ الكرامة،وفي الدعاء سرّ القرب،وأن رمضان،في جوهره،ليس شهرًا في السنة،بل سنةً في الروح.

سماح عزام الجارديان المصرية رمضان ليس شهرًا يمضي في التقويم بل تقويمٌ يمضي فينا