حسين السمنودى يكتب: تفكك الأسرة في عصر التكنولوجيا: بداية لانهيار المجتمع
كانت الأسرة العربية يومًا ما هي الحصن الحصين، والملاذ الآمن، والمدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان أبجديات الحياة من حب، وتراحم، وتعاون، واحترام. كانت تجمعهم جلسات المساء، وأحاديث المودة، ومشاركة الهموم والأفراح، فتشعر أن البيت العربي لا ينبض فقط بالحياة، بل ينبض بالحب والترابط الإنساني النقي. كانت الأسرة الواحدة تقف كالبنيان المرصوص، يتقاسم أفرادها الخبز والماء، ويتساندون كالأشجار المتعانقة في وجه عواصف الدنيا.
لكن هذه الصورة الجميلة بدأت تتلاشى شيئًا فشيئًا في عصر طغت فيه التكنولوجيا على المشاعر، وغزت فيه شاشات الهواتف والعوالم الافتراضية البيوت، فتسللت الفجوات بين أفراد الأسرة، وتحول كل فرد إلى جزيرة معزولة تحمل في يدها شاشة، وفي قلبها فراغ. أصبح الأب مشغولًا بتصفح الأخبار، والأم تتابع المسلسلات عبر التطبيقات، والأبناء تائهون بين ألعاب الفيديو ومواقع التواصل، فلم يعد هناك من يسأل: "كيف كان يومك؟" أو من يصغي بانتباه لحديث الآخر.
في زمن كان يُضرب فيه المثل بالأسرة العربية في التلاحم والتراحم، أصبحنا نرى التباعد والتفكك وكأنهما أمران طبيعيان. تحوّلت مائدة الطعام إلى مناسبة نادرة، وتحولت الزيارات العائلية إلى رسائل صوتية أو صور عبر "الواتساب"، وتحولت الأعياد من لقاءات ممتدة إلى مكالمات لا تتجاوز الدقائق المعدودة. ضاعت الطقوس الدافئة التي كانت تُشعر الإنسان بأنه ليس وحيدًا في هذا العالم القاسي، وأن له ظهرًا وسندًا في وجه الصعاب.
والأخطر من كل ذلك أن تفكك الأسرة لا يتوقف عند حدود البيت، بل تمتد آثاره إلى المجتمع بأسره. فعندما يفقد الإنسان انتماءه الأول والأصيل، يصبح أكثر عرضة للضياع، أكثر استعدادًا للعنف، وأكثر ميلًا للانعزال أو حتى الانحراف. فكل فرد نشأ في بيت مفكك هو مشروع مأساة إنسانية قادمة، أو قنبلة اجتماعية مؤجلة.
إن الإنترنت والهواتف الذكية وألعاب الكمبيوتر ليست شرًا في ذاتها، لكنها تصبح كذلك عندما تحل محل الوجوه، والمشاعر، واللقاءات الإنسانية الحقيقية. التكنولوجيا أداة، إما أن نستخدمها لتقوية الروابط، أو نسمح لها بأن تقطعها تمامًا. وهنا، لا بد من إعادة النظر في طريقة استخدامنا لهذه الوسائل، وأن نعيد للأسرة قدسيتها، وللجلسة العائلية هيبتها، وللمودة داخل البيوت رونقها القديم.
فهل يعلم الإنسان حقًا أن تفكك الأسرة هو بداية لانهيار المجتمع؟ وهل يدرك أن الحفاظ على الأسرة هو صمام الأمان الأخير أمام طوفان الانهيار الأخلاقي والإنساني؟ إن الوقت لم يفت بعد، وما زالت هناك فرصة لأن ننتشل أنفسنا من هذا التيه، وأن نزرع في بيوتنا شجرة جديدة من الحب، تظلل أبناءنا، وتحيي أرواحنا من جديد.
فلنُطفئ الشاشات قليلاً... ولنفتح قلوبنا أكثر.












مصرع طفل لم يتجاوز عامه الثاني إثر سقوط أسانسير فوقه داخل برج...
تأجيل استئناف المتهمين في قضية رشوة وزارة التموين
ضبط عاملي خردة حاولا سرقة أسلاك كهربائية من شقة بالسلام
تأجيل محاكمة 8 متهمين في قضية خلية المعصرة لجلسة 12 ديسمبر
أسعار الذهب اليوم الأحد 25 أكتوبر 2026.. عيار 21 بـ6280 جنيها
ثبات سعر الدولار مقابل الجنيه فى البنوك اليوم الخميس
سعر الدولار في البنوك والسوق السوداء اليوم الجمعة 2 - 10 -...
البورصة تختتم أولى جلسات أكتوبر بمكاسب جماعية.. ورأس المال يربح 128.9 مليار...