الثلاثاء 10 مارس 2026 03:49 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب : مع رياحين رمضان (4)

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

مازال الحديث عبقا برياحين شهر رمضان المعظم ، ولا يزال الحديث عن قول الله تعالى "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَان عَلَيْكُمْ رَقِيبا" ومازالت في أعماق بحر قوله تعالى "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم" كى استخرج منها اللآلئ الكامنة فيه ، من الوسائل التي منحها الله للإنسان كى يكون إنسانا متحضرا ، ومبتكرا ، ومبدعا في أفكاره ، وعقله ، وعلمه ، ومشاعره ، وليس شبيها بالإنسان ، جسدا بلا روح ، واسما بلا معنى ، وهيئة بلا جوهر ! فالإنسان الحقيقى هو الذى هو الذى يستغل ما وهبه الله له من وسائل تقدمه ، وقد تم ذكر وسيلتين من تلك الوسائل في المقالتين السابقتين وهما"العقل ، وما خلق الله من مخلوقات لدراستها دراسة مستفيضة بحثا ، وتنقيبا" ليصل الإنسان إلي معرفة ربه ، وخالقه ، وكى يصل لما أراده الله منه من تقدم ، وتطور في جميع مجالات حياته .. أما في هذه المقالة المتواضعة قد التقطت ثالث هذه الوسائل ، وهى "كتاب الله" فقد أنزل الله للإنسان كتابا معجزا من السماء ليكون رابطا بين الخالق ، والمخلوق ، ليستمد المخلوق من خالقه منهج حياته ، ووسائل تقدمه وتطوره فكريا ، وعقليا ، وعلميا ، وخلقيا ،وروحيا ، بل في جميع المجالات ، كما أن هذا "الكتاب" يتسق تماما مع الوسيلتين السابقتين "العقل ،وقدرة جميع
مخلوقاته" فهو يتسق مع العقل ، والمنطق ، ويقدر الأعراف السوية الناضجة ولم يكن يوما ضدا للمشاعر ، والأحاسيس ، بل يحترمهما ، ويقدرهما أيما تقدير ، وأنه يحتقر الخيالات الباهتة ، والأوهام المختلقة ، ويحتقر ، والسذاجات التافهة ، ويضع التقاليد البائدة التي ورثوها من الآباء ، والأجداد تحت قدميه ، كما أنك إذا قرأته تجد أنه مطابق تماما لما تراه بأم عينيك من قدرته "لمخلوقاته" كسماء ، وأرض ، وجبال ، وبحار ، وأنهار ، ومحيطات ، وحيوانات ، وطيور ، و... ألخ من مخلوقاته ، يقول الله عنه "لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون" يقول المفسرون "أن هذا الكتاب فيه فخركم ، وعزكم ، وشرفكم" ويأخذ بأيديكم نحو التقدم ، والازدهار ، وهو كتاب عصري بمعنى الكلمة بالرغم أنه نزل منذ أكثر من ألف ، وأربعمائة عاما ، ولذا وصفه الله بأنه "نور" فقال "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلنَا إِلَيْكُمْ نُورا مُّبِينا" وكأنه نزل للتو ، فقد تحدث عن عظائم الأمور ، وأعلاها ، لتكون شامة على جبين المتحضرين ، ووساما على صدورهم ، وما ترك مجالا إلا ، وقد تحدث فيه ، فقال مؤكدا ذلك "مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ من شيْء" فقد تحدث على سبيل المثال عن "نشأة الكون" في آيات كثيرة ، منها مثلا قوله تعالى "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْق" وذكر المدة التي خلقها ، فقال "وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب" وأثبت بأنه قد خلق ذلك الكون ، ولم يكن أحد من الناس قد خلقوا بعد فقال "مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا" وفى موضع آخر يقول "أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون*وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون "وتحدث أيضا عن "نشأة الإنسان" فقال "وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا الۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِين* ثُمَّ جعلناه نطفةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِين* ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَة فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فخلقنا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا آخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ الۡخَٰلِقِين"وقد أثبت بما لا يدع مجالا للشك بأنه هو الذى خلق كل شيء ، فقال "اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل" ولم يجرؤ أحد قديما ، ولا حديثا مدّعيا ، ولا آلهتهم التي يعبدونها ، ويعظمونها من دون الله ، عاجزة تماما عن خلق هذا الكون ، أو خلق ذبابة ، أو يعيد ما امتصته منهم ، قال تعالى"يا أيها النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا ولَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۙ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوب" كما أن هذا الكتاب ضع النقاط على الحروف مبينا أن أساس التحضر هو العلم ، ولذا كانت أول آية نزولا هي قوله تعالى "اقرأ" بل جعل "القلم" اسما لسورة تسمى بسورة "القلم" بل آخذا بأيدينا ، وأرشدنا لطلب العلم ، وذلك بسؤال أهل التخصص وليس بسؤال التافهين التي عقولهم ملآى بجراثيم الجهالة ، وبفيروسات الكبر !
فقال "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُون" لأنه يحترم أهل التخصص ،
ويقدرهم ، فقال"وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون" وقد أكّد الخالق ذلك المعنى في موضع آخر ،فقال" فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا
رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون" أي يجب أن يكون لديكم عدد متخصص في الدين ،
وآخرون في مجال الكيمياء ، وغيرهم في مجال الفيزياء ، وآخرون في مجال الرياضيات ، وهلم جرّا ، كما أنه كتاب أعطى للعلماء مكانتهم ،لأنهم أهلا لخشيته ، وأعرف بقدره ، يقول تعالى "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" كما شهد له ألد أعدائه ، وهو الوليد بن المغيرة ، فقال عنه"إن لقوله لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ،وإنه لمثمرٌ أعلاه، مغدق أسفله ، وإنه ليعلو وما يعلى ، وإنه ليحطم ما تحته" كما شهد له كثير من المستشرقين في هذا العصر ، كأمثال العالم الهولندى" لوتن يان ، وغيره من المستشرقين" وصدق الله حين يقول عن كتابه العزيز مدويّا ،ومتحديا الإنس ، والجن في آن واحد ، بأن يأتوا بكتاب مثل "كتاب الله" لن يستطيعوا ، وهو عاجزن عن ذلك ، يقول "قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظهِيرا" فلتخرس ألسنة الحمقى ، ومدعى العلم ، ولتحمر وجوههم خجلا لما يقولونه من أكاذيب ، وادعاءات باطلة ، والأجدر بهم أن ترفع أيديهم لأعلى ، رافعين الرايات البيضاء مستسلمين ، ومقرّين بعجزهم ، وقلة حيلتهم لقول خالقهم .

زكريا سليمان مع رياحين رمضان (4) الجارديان المصرية