الإثنين 20 أبريل 2026 02:52 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتبة هدى حجاجى تكتب : قناديل على بوابةٍ منسيّة،

الكاتبة الكبيرة هدى حجاجي احمد
الكاتبة الكبيرة هدى حجاجي احمد

وقفتُ طويلًا أمام تلك البوابة القديمة، كأنني أحرس ظلالًا لم تعد تعود. كانت القناديل المعلّقة فوقها تتمايل ببطء، تضيء قليلًا وتنطفئ قليلًا، مثل ذاكرةٍ تتعب من كثرة ما حملت. لم يكن المكان خاليًا تمامًا… كان ممتلئًا بالأصوات التي غادرت، والوجوه التي لم تعد تعرف الطريق.

في زمنٍ بعيد، كانت هذه البوابة تفتح كل صباح على ضحكاتٍ كثيرة. يدخل منها الأصدقاء بلا استئذان، وتخرج منها الحكايات كالعصافير. لم تكن القلوب تعرف الأقفال آنذاك، ولم تكن الكلمات تخاف أن تُقال.

لكن الريح…

الريح لا تكتفي بالمرور.

مرّت ذات يومٍ عاصفة، لا تشبه الرياح التي نعرفها. لم تحمل غبار الطرقات فقط، بل حملت معها سوء الظن، وكلماتٍ قاسية، وصمتًا طويلًا. وحين هدأت، كان كل شيء قد تغيّر: الأبواب أُغلقت، والخطوات ابتعدت، والقناديل ظلّت وحدها تحرس ذاكرة المكان.

ومنذ ذلك اليوم، صار قلبي يشبه النيل حين يجفّ فجأة. مجراه ما زال موجودًا، لكن الماء اختفى. كل شيء يدلّ على حياةٍ كانت هنا… ولا شيء يؤكّد أنها ستعود.

أحيانًا، في ليالٍ نادرة، يمرّ طيفُ أحدهم قرب البوابة. أتوهّم أن الخطوات ستقترب، وأن يدًا ستدقّ الباب كما كانت تفعل قديمًا. لكن الطيف يمضي، كأنه يعرف أن هذه البوابة لم تعد تُفتح.

فأكتفي بإشعال قنديلٍ آخر،

وأعلّقه بصمتٍ فوق الباب.

ليس انتظارًا لأحد…

بل احترامًا لذكرياتٍ مرّت من هنا ذات يوم،

وتركت في القلب

بوابةً مفتوحةً

على ستائر النسيان.

الكاتبة هدى حجاجى قناديل على بوابةٍ منسيّ الجارديان المصريه