السبت 2 مايو 2026 10:10 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتوره نهال أحمد يوسف تكتب : أفروسنتريكيه أم أفرويهوديه؟

دكتوره نهال أحمد يوسف
دكتوره نهال أحمد يوسف

لم يعد التاريخ في عصرنا الراهن مجرد استعادة لما مضى أو استذكاراً لبطولات غابرة، وإنما أضحى ساحة معركة كبرى وأداة ناعمة للهيمنة في صراعات الوجود وتشكيل المستقبل. ومن رحم هذه التحولات المتسارعة، برزت الحركة "الأفروسنتريكية" أو المركزية الأفريقية، لا بوصفها منهجاً بحثياً يسعى لإنصاف القارة السمراء من المركزية الأوروبية، وإنما كأيديولوجية توسعية استلابية تسعى لإعادة هندسة الهوية المصرية القديمة ونزعها من سياقها النيلي المتفرد، لصبغها بصبغة عرقية أحادية ضيقة. فنحن اليوم أمام محاولة ممنهجة لتزييف الوعي تتجاوز حدود الأروقة الأكاديمية لتقاطع مع مخططات جيوسياسية كبرى تهدف في جوهرها إلى تجريد الإنسان المصري المعاصر من شرعيته التاريخية فوق أرضه، وتحويله في نظر العالم إلى وافد غريب على حضارة أجداده.
لقد بدأت هذه الحركة في منتصف القرن العشرين كصرخة تحرر فكري قادها مفكرون مثل موليفي أسانتي وشيخ أنتا ديوب لمواجهة التهميش الأوروبي للتاريخ الأفريقي، غير أن هذا المسار انحرف بشكل حاد نحو "تزييف مضاد" حين استهدف الحضارة المصرية رغبةً في اقتناص إرث جاهز يمنح أصحاب هذه الأيديولوجية شرعية حضارية مفقودة. ويعتمد هذا الانحراف بالأساس على مغالطة "الوحدة البيولوجية الصماء"، التي تفترض أن لون البشرة هو المعيار الوحيد والشارح لكل منجز حضاري، متجاهلةً التمايز الأنثروبولوجي والبيئي والثقافي الذي جعل من وادي النيل وحدة حضارية مستقلة بذاتها، تفاعلت مع محيطها الأفريقي والآسيوي والمتوسطي دون أن تذوب فيه أو تفقد خصوصيتها الجينية والروحية.
وأمام هذه الادعاءات التي ترفع شعار "النقاء العرقي الأسود" لمصر القديمة، يقف العلم الحديث بسد منيع من الأدلة المادية التي لا تقبل التأويل. فقد حسمت الدراسات الجينية الدقيقة، وعلى رأسها دراسة معهد "ماكس بلانك" لعلوم التاريخ البشري لعام ألفين وسبعة عشر، الجدل التاريخي بشكل قاطع؛ إذ أثبت تحليل الحمض النووي لمومياوات مصرية عبر عصور متباعدة أن المصريين القدماء كانوا أقرب وراثياً لسكان حوض المتوسط والشرق الأدنى، وتعد الاستمرارية الجينية للمصريين الحاليين مع أجدادهم حقيقة بيولوجية صلبة لا تقبل التشكيك، مما يفند بالدليل القاطع أسطورة "الاستبدال العرقي" التي يروج لها منظرو الأفروسنتريك. كما تعزز الفلسفة اللسانية هذا الطرح، فاللغة المصرية القديمة بجذورها وبنائها تنتمي لعائلة اللغات "الأفرو-آسيوية"، وهي عائلة تختلف بنيوياً عن لغات جنوب الصحراء، مما يؤكد أن العقل المصري القديم تطور في سياق محلي مرتبط ببيئته الجغرافية المباشرة.
إلا أن الخطر الحقيقي يتجاوز حدود التزييف التاريخي ليصل إلى تساؤل جوهري ومريب: هل نحن أمام أفروسنتريكيه خالصة أم أنها "أفرويهوديه" مقنعة؟ إن نقطة التقاطع المريبة بين السردية الأفروسنتريكية وتيارات "اليهودية السياسية" وحركات "العبرانيين السود" تغذي سردية موحدة تستهدف نزع الشرعية عن الدولة المصرية؛ حيث تلتقي الدوائر الصهيونية مع الأفروسنتريك في نقطة جوهرية تزعم أن المصري المعاصر ليس هو صاحب الأرض الأصيل. فبينما يدعي طرف أن بني إسرائيل هم بناة الحضارة الحقيقيون، يزعم الطرف الآخر أن الأفارقة السود هم أصحاب الأرض الذين طردهم "الغزاة العرب"، مما يخلق حالة من "الشيطنة التاريخية" تهدف لتحويل الشعب المصري في الوعي الدولي من صاحب حق تاريخي إلى مستوطن وافد، وهو ما يمهد الطريق لمطالبات مستقبلية بأرض النيل تحت دعاوى "العودة" أو "العدالة التاريخية".
ويأتي الترويج المكثف لهذه المغالطات ليتجاوز كونه حبيس الشاشات، وينتقل إلى واقع المزارات الأثرية في صورة ممارسات استفزازية يقوم بها بعض السياح الأجانب المعتنقين لهذه الأيديولوجية؛ إذ نرى محاولات لفرض واقع جديد من خلال المطالبة بالدخول في غير المواعيد الرسمية أو افتعال أزمات مع القائمين على الآثار، ثم تصوير هذه المشاهد وترويجها عبر منصات التواصل الاجتماعي بصورة "نضالية" توهم المتابعين بأنهم أصحاب الحق المسلوب الذين يطالبون بملكيتهم. وتُمثل هذه الأفعال، البعيدة كل البعد عن السلوك السياحي العفوي، جزءاً من عملية إعادة صياغة فكرية وغسيل مخ رقمي يستهدف تفتيت الكتلة الوطنية المصرية، خاصة الجيل الحالي والأجيال القادمة التي تعد الأكثر عرضة لهذا القصف المعلوماتي الممنهج عبر الفضاء الإلكتروني.
ومع تقديرنا الكامل للتحركات الثقافية والإعلامية التي تدعم قضايا فكرية شتى، تظل اللحظة الراهنة فارضة لأولوية قصوى لا تقبل التأجيل؛ وهي معركة "التأصيل المعرفي" للشباب المصري. إذ تبرز حاجة الأجيال الجديدة ليس فقط لمعرفة تاريخهم، وإنما لامتلاك أدوات الدفاع عنه وتأكيد الحقيقة التاريخية والجينية لأرضهم. ويتحتم أن يتجه الاهتمام القومي نحو بناء "مقاومة إلكترونية ذكية" تمكن الشباب من الرد بالحجة والمنطق والدليل العلمي على منصات التواصل، عوضاً عن تضييع الوقت في مواضيع ثانوية لا تلامس جوهر التهديد الوجودي الذي يواجه الهوية المصرية. فالحق الذي لا يسنده وعي ذكي وقدرة على الرد، يظل عرضة للاستلاب والضياع في فوضى العالم الرقمي.
وفي الختام، تبرز معركة الوعي القومي كالخط الدفاعي الأول في مواجهة هذا الاستلاب؛ فالدفاع عن هوية مصر القديمة ليس انغلاقاً أو عنصرية، وإنما هو دفاع عن السيادة الوطنية والحقيقة البشرية. وتظل مصر، بتراكمها الحضاري الفريد، نسيجاً واحداً لا يقبل القسمة، ويظل تاريخها ملكاً خالصاً لأبنائها الذين حافظوا على أرضها وبنوها بعرقهم ودمائهم لآلاف السنين، مؤكدين للعالم أجمع أنهم ليسوا مجرد ورثة صامتين، وإنما هم أصل الحكاية وحراسها الأمناء.

دكتوره نهال أحمد يوسف أفروسنتريكيه أم أفرويهوديه؟ الجارديان المصريه