الثلاثاء 26 مايو 2026 04:54 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. محمد هناء الدين يكتب : عيد الاضحي التسليم المطلق واختيار المصير

الكاتب والفنان الكبير د. محمد هناء الدين
الكاتب والفنان الكبير د. محمد هناء الدين

في موسم الحج وعيد الأضحى المبارك، تتجلى معاني إيمانية عميقة تتجاوز مجرد الشعائر والطقوس الظاهرة، لتغوص في جوهر العلاقة بين العبد وربه. إنه موسم يذكرنا بأن غاية الوجود الإنساني تكمن في كلمة واحدة
التسليم.

إبراهيم عليه السلام نموذج التسليم المطلق
عندما نتأمل قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، نجد أنها ليست مجرد حكاية تاريخية، بل هي درس خالد في معنى التسليم لله. لقد أمره الله بذبح ابنه إسماعيل، ذلك الابن الذي جاءه بعد طول انتظار، والذي تعلقت به آماله وأحلامه. ورغم ثقل الأمر، استجاب إبراهيم دون تردد، وسلّم ابنه إسماعيل بدوره لأمر الله.
هنا تتجلى الحقيقة الكبرى أن التسليم المطلق لله هو الذي يفتح أبواب الرحمة والفرج. فعندما تحققت الاستجابة الكاملة من إبراهيم وإسماعيل، جاء الفرج من السماء، وفُدي إسماعيل بذبح عظيم.
من الدروس العميقة التي نتعلمها من هذه القصة أن هناك أقدارًا معلقة في حياتنا، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باختياراتنا. فالقضاء والقدر ليس قدرًا واحدًا محتومًا في كل الأحوال، بل هناك مسارات متعددة تتشعب بناءً على قراراتنا وتسليمنا لله.
قد يكون هناك قدران معلقان أحدهما يحمل الخير والبركة، والآخر يحمل الشدة والاختبار. والخيار بأيدينا، فبتسليمنا لله وثقتنا بحكمته، نختار مسار الرحمة والفرج. ألم يقل الله تعالى: "وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ"
الحج ليس مجرد مناسك تؤدى، بل هو تجسيد حي للتسليم المطلق. ففي الإحرام يتجرد الحاج من كل مظاهر الدنيا، متساويًا مع جميع البشر أمام الله. وفي الطواف حول الكعبة، يعلن انقياده التام لله، متبعًا مسارًا قد لا يدرك حكمته العقل، ولكن قلبه يدرك أنه في حضرة من يستحق العبادة والتسليم.
وفي السعي بين الصفا والمروة، يتذكر الحاج سعي هاجر التي سعت سبعة أشواط بين الجبلين باحثة عن الماء لابنها، مسلمةً أمرها لله، حتى تفجرت زمزم تحت قدمي إسماعيل. إنه درس آخر في أن التسليم يسبق الفرج وأن الثقة بالله تفتح أبوابًا لم تكن في الحسبان.
الأضحية في عيد الأضحى ليست مجرد ذبح حيوان وتوزيع لحمه، بل هي استمرار لنهج إبراهيم عليه السلام في التسليم. إنها تذكير سنوي بأن المؤمن مستعد للتضحية بأغلى ما يملك في سبيل رضا الله حتي لونفسه ذاتها.

عندما يذبح المسلم أضحيته، فهو يعلن استعداده لذبح أهوائه وشهواته وطموحاته الشخصية إن تعارضت مع أمر الله. إنها لحظة صدق مع النفس والله، تذكرنا بأن التسليم لله هو الطريق الوحيد للحرية الحقيقية.
في النهاية، يتضح لنا أن غاية العبد في هذه الحياة هي أن يصل إلى درجة التسليم المطلق لله. هذا التسليم ليس ضعفًا أو استسلامًا مهينًا، بل هو القوة الحقيقية التي يجد فيها المؤمن سلامه النفسي وطمأنينته القلبية.
التسليم لله يعني أن تثق بحكمته حتى حين لا تفهم حكمته، وأن تطيعه حتى حين تخالف أوامره هواك، وأن تعلم أن كل ما يحدث في حياتك هو جزء من تدبيره الكامل المحكم.
إن عيد الأضحى ليس مجرد مناسبة للفرح والاحتفال، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة، تعلمنا أن حياة المؤمن كلها تسليم لله، وأن في هذا التسليم تكمن سعادته في الدنيا والآخرة. فما أجمل أن نستقبل هذا العيد بقلوب مستسلمة لله، وأرواح مطمئنة بذكره، واثقة في تدبيره ورحمته.

د. محمد هناء الدين عيد الاضحي التسليم المطلق واختيار المصري الجارديان المصريه