الأربعاء 20 أكتوبر 2021 02:31 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

فنون وثقافة

”أبتسم فأنت محظوظ”من مجموعه قصصية باسم ( لا مفر ) للأديبة مي علام

الاديبة مي علام
الاديبة مي علام

الحظ هو وليد اللحظة التى يقع الأنسان فيها.

قد يكون حليفك أو غريمك ، عندما يصبح حليفك يتولد داخلك شعور بالقوة والتحدى للمغامرة والمواجهة فى شتى الأمور.

لأنك بت متيقناً ، أن الحظ هو خادمك المطيع ، سيفك المسنون ودرعك الواقى الذى يجعلك تفتك بما شئت.

هو الملاذ والحصن المنيع " جالب الخير والسعادة".

ولكن......!!، الحظ أختبار ، يختبرك ويلاحقك ، يستمتع بمشاهدتك و أنت على قمة الهاوية.

ويلوذ بالفرار ، عندما تذل قدميك وتبدأ فى أول خطوات السقوط لقاع بئر آثامك وشرورك، ليرى ماذا ستفعل ....؟ متسائلاً ...ها ...،فقد أنتشلتك من كافة مصائبك وآثامك .

أين رد الجميل الذى أنكرته علي ؟.

عبد الله ، طالب فى الثانوية العامة ، فقير كثائر البشر ، حلم حياته أن يلتحق بمعهد الموسيقى ، ليعزف البيانو ، آملاً أن يصبح ذات يوم موسيقار مشهور.

فى طريق عودته من المدرسة للمنزل ، كان يتضور جوعاً ، فأشتم رائحة طعام لذيذاً ، سال له لعابه.

فصارت به قدميه إلى ذاك المنزل مصدر الرائحة .

وقف متصلباً ملتصقاً باالنافذة ، لا يشعر بشئ وعيناه على المائدة المعتمرة بأصناف الطعام الفاخر وسرح بخياله ، أنه جالس على هذه المائدة الفاخرة يلتهم الطعام بنهم ، ثم تحسس معدته الفارغة التى تئن من آلام الجوع وتصدر أصواتاً صارخة ، غاضبة ...هيا أريد أن أمارس عملية الهضم ، فقد أوشكت أن اتوقف عن أداء مهمتى بغذائك أيها الآحمق .

لقد جعلتنى أشيخ قبل الأوان ، هيا أفعل شيئاً !!.

فكر عبدالله فى نفسه قليلاً ......لماذا لا تفتح النافذة وتسرق القليل من الطعام ، حتى ترضى عنك هذه المعدة الفارغة المتألمة .

دقق النظر من حوله ودفع النافذة برفق ، ففتحت بسهولة .

ابتسم راضياً ، ونظر فلم يجد أحداً ، فقفز بسرعة وأختطف طبق ملئ بدجاجتين ، وركد كالصاروخ ، وأستند إلى شجرة و دون أن ينظر حوله شرع يلتهمهما ، ومع أخر قطمة أخذ يلوكها ببطء ، فهو لا يعلم متى سيكون الحظ حليفه ويرزقه بدجاجتين مرة أخرى .

طبطب على معدته الممتلئة ....أعتقد أنك الأن راضية وستكفين عن ملاحقتى بالألام .

-2-

نهض فى نشوة لا يشعر بها غير المحروم من نعم الحياة ، ملأ صدره بالهواء المنعش و سار عائداً إلى المنزل لينعم بغفلة بعد هذه الوجبة الدسمة.

حينما دلف للمنزل سمع أباه يخبر أمه أنه كبر وتعب ولم يعد يستطيع توفير الطعام لنا ، ولابد وأن عبدالله يأخذ الثانوية ويعمل لسياعده فى الأنفاق على أخواته.

ضاعت نشوة الطعام من عبدالله ، فهو يريد أن يلتحق بمعهد الموسيقى ، ليصبح موسيقار ، وإذا أصر والده على أكتفائة بالثانوية سيفقد حلمه ويضيعه.

تسلل إلى غرفته فى حذر حتى لايراه والديه، جالساً بجانب أخاه الصغير النائم ، ناظراً لأخاه الأخر الذى يمسك بقطعة من الخبز الجاف يتناولها حتى يسد جوعه ، وأخته تتشاجر معه تريد أن تتناولها هى .

ظفر فى ضيق ، مالى أنا ومال هذا الهم ، أين كان عقله قبل أن ينجب كل هذا العدد .

يرتكبون الأخطاء معتقدين أن الحل لدينا .

لا ....لا ليس هناك بيدى حيلة ، سأكمل تعليمى مهما حدث ، لن أضيع حلمى من أجل ترهات أب غير قادر على الأنفاق على عائلته .

أنا لست ببطل الهموم .

مرت شهور وتصاعدت الزغاريد فى أرجاء منزل عبدالله ، مهنئينه بالنجاح ، وآى كلية سيلتحق بها ، وقبل أن يفتح فمه ، يندفع والده ليجيب عنه .... لا سنبحث له عن عمل ، يكفى ما تعلمه.

بعد أنصراف الجميع وخلود أسرته للنوم ، قرر عبدالله أمراً ما ....، ألا وهو أنه سيفر من هنا ، سيختفى تماماً كأنه لم يكن ، سيعمل وينفق على نفسه ويلتحق بمعهد الموسيقى .

قبل أخواته الصغار ولملم ثيابه وأنطلق ، داعيا أن يبتسم له الحظ.

بعد عدة سنوات تحقق جزء بسيط من حلمه ، فقد أستطاع العمل مع أحدى الفرق الموسيقية عازف بيانو وللحق كان ماهراً ، فعندما أنهى معزوفته ، وجد فتاة تقترب منه ، تتحدث له بصوت أقرب من الهمس ، أنها تريده فى أمر ما .

أعتلت الدهشة قليلاً وجه عبد الله ، هذه أول مرة فى حياته تتحدث إليه فتاة جذابة رقيقة ، يبدو عليها مظاهر الثراء والرفاهية .

سار معها لمائدة يجلس عليها شاب شديد الوسامة ، قريب الشبه من هذه الفتاة الجذابة ، وبجانبه فتاة أخرى ، هى ليست بالعادية .

 

-3-

لا.....لا ..، ليست بالعادية ، هى أيقونة من الجمال ، كأن جمال نساء الأرض أتفق على أن يجتمع فى هذه الفتاة الخلابه .

عرفته الفتاة بنفسها .....نادية وهذا أخى شادى وخطيبته صوفيا .

لاحت خيبة الأمل على وجه عبد الله ، عندما علم أن هذه الفتاة الخلابه مرتبطة ، ولا يعلم لماذا أصابه الضيق.....؟!.

جلس عبد الله بجوار نادية ، التى قدمت له الشراب ، تناول منه رشفة منتظرا ً سماع سبب دعوته ، وعيناه تختلس النظر بين الحين والأخر لصوفيا التى لم تنطق بكلمة واحدة منذ جلوسه.

ابتسم شادى إليه وقال : لن أطيل الأمر عليك ، أنت ترغب فى معرفة سبب دعوتك ....نادية تريد أن تأخذ دروس موسيقى ، تعلمها كيف تعزف على البيانو ، وأنا كى أصدقك القول مندهشاً للغاية لطلبها.

فقد حاولنا تعليمها دروس البيانو منذ فترة ، ولكن كانت تأبى ، والأن عندما استمعت لموسيقاك فتحت شهيتها وترغب فى أن تكون أنت من يعلمها .....فما رأيك؟.

كان عبدالله متردداً ويجول ببصره فى أنحاء مختلفة ، لا يعلم هل يوافق أم يرفض .

و رفع بصره لصوفيا لعله يجد الأجابة لديها ، ولكن هى كانت تحرك أناملها الرقيقة فى كاس فارغ ، ولم يبدو عليها الأهتمام برفضه أو موافقته ، ونادية عينونها مترجية أياه أن يوافق .

قبل ان ينطق ، حسم شادى الأمر ...فكر ، سيكون راتبك أربعة الآف جنيهاً ، نظير ثلاث حصص أسبوعياً فوجئ عبد الله بالمبلغ ، وبلع ريقه فى طمع ، وقرر أن يحتفظ بهدوئه ولا يتسرع أملاً فى ذيادة أخرى.

فقال فى ثقة: حسناً سأرى مواعيد العمل .....قاطعه شادى بعجرفه ، هذا عنوان المنزل ورقم الهاتف، ولتبدا دروسك بعد غد الساعة الرابعة عصراً......هيا لقد تأخرنا ، وقبض على كف صوفيا وانصرف.

شعر عبدالله بالبلل ، فقد كشف شادى أمره ، ولم يعطيه فرصة لكى يتحكم فى زمام الأمور، فقلب المائدة عليه.

أبتسمت نادية ابتسامة حانية وهى تصافحه ، أرجو منك أن تقبل، انت فنان بارع ، لاتعلم عندما أستمع لعزفك أصبح أنسانة أخرى، مختلفة ، أشعر أننى يمامة تحلق فى سماء هذا الكون الشاسع .

أنت تدخلنى فى عالم ملائكى ، ليس هناك وجود لأى كائن بشرى يعكره.

أمتلأ وجه عبدالله بالسعادة والفخر لهذا الأطراء ، فهز رأسه معلناً الموافقة.

ها ......أيها الحظ ، أشعر انك تلاحقنى أينما ذهبت ، وصعد على خشبة المسرح بعد أنصراف الجميع .

-4-

أخذ يرقص ويتمايل ، يضرب على الطبول ، يعزف على البيانو ، والجيتار وينتقل من هنا إلى هنا حتى اصابه الارهاق، ولكن أرهاق محبب للنفس.

انتظم عبد الله بدقة فى أعطاء نادية دروس البيانو لسببين ، من اجل المال ، وطمعاً فى أن يمتع نظريه بجمال صوفيا ، وتنامت علاقته بالأسرة كأنه فرداً منها ، فكم عشقت والدة نادية عزفه، ولم تكن تسمح له بالأنصراف حتى يتناول العشاء معهم أو يقمن بإصطحابه فى حفلاتهم لتعريفه على علية القوم .

كل هذا أثار أنبهار عبد الله ، هو بالفعل عالم أخر ، عالم يحكمه الثراء والمال.

لا يوجد لأمثاله بينهم مكان .

فى أحدى الحفلات رآى صوفيا أخيراً واقفة بمفردها وليس معها ذاك الشادى.

دون أن يشعر وجد نفسه واقفاً أمامها و هى تنظر له فى دهشة، وقبل أن تتركه ، هتف .. أرجوك أنسة صوفيا ، أرغب فى الحديث معك قليلاً .

أمعنت النظر فيه ، وأطلقت ضحكة ساخرة من بين شفتيها ، واقتربت منه هامسة ...لا داعى للحديث ، أنا أعلم تماماً مقصدك ، فنظرات عيناك تجول على سائر أنحاء جسدى ، ولكن يا عزيزى أحذز ...!! فقد مللت من مطاردة هاتين العينين لجسدى أينما رأيتك...!!.

المرة القادمة سأقتلعهما من مقلتيك ، كما ترى أنا ......و اشارت على الخاتم الذى ترتديه فى أصبعها.

شعر عبدالله بأن لفحة من نار جهنم قد أصابته ، وأشعلت لهيباً فى سائر جسده.

سار مندفعاً كالمجنون ، حتى وجد نفسه جالساً أمام نهر النيل فى ظلام الليل ، يلوم نفسه عى ذهابه لمحادثتها، متسائلاً ...؟ هل من المعقول أن يكون وراء هذا الجمال الملائكى أفعى تتحين الفرصة لتسميمك إذا اقتربت .....!!.إذا فلتبتعد ، وتفر.

غاب عبدالله ثلاثة ايام عن دروس البيانو ، لتعرضه لنزلة برد شديدة ، نتيجة جلوسه ليلاً على النيل ، وتفاجئ بحضور نادية و شادى ، و صوفيا والأخيرة كانت نظرات الشماته والسخرية تطل منها نحوه تخبره .....ها قد كشفت أمرك أيها الندل..... ، فتفادى النظر إليها تماماً ، وانشغل بنادية التى كانت قلقة عليه للغاية، وطلب شادى الطبيب لرؤيته ، الذى شخصه بإلتهاب رئوى شديد .

قامت نادية لمدة أسبوع بمداواته ورعايته ، حتى شفى تماماً ، وواظب على دروس الموسيقى من جديد .

ولكن عبد الله كان يشعر بحب نادية الجارف نحوه ، هى لا تعشق الموسيقى ، هى تعشقه هو...!.

وصارحته نادية بمشاعرها نحوه ، ولكن عبد الله كان جافلاً ، فهو لم ينسى صوفيا وتهديدها له، فلزم الصمت...!.

-5-

أصاب نادية الضيق فسألته : أنت لا تحبنى ....أليس كذلك؟.

عبد الله : لا ...أنا أحبك ، ولكن أنا لست بالرجل المناسب لك.

أنت تعلمين الرد مسبقاً ....هو الرفض !! .

لا أحب أن أحلم بشئ لا أستطيع أن أمتلكه فى يوم من الأيام .

أنت الحلم المستحيل.

تهلل وجه نادية بالفرح ، حلمك المستحيل سيصبح واقع.

قبل أن أعترف لك بحبى ، صارحت والداى ، ولم يمانعا ، بالعكس رحبا بذلك ، إلا لو قمت أنت ....

هذه المره لم ينطق عبد الله ، فقد حمل نادية ودار بها فى سعادة ، وكل ما يعتمر فى رأسه ...لا مــفر لا مــفر .... من أن الحظ هو من يسعى خلفك ويريدك .

بعد حفلة زفاف أسطورية ، تحدث عنها الجميع لأيام ، وأنقضاء شهر العسل .....حان وقت العودة.

عندما رجعا من البرازيل للقاهرة ، علم عبد الله بأنفصال شادى عن صوفيا و اقترانه بفتاة اخرى جميلة ولكن ليست كصوفيا.

أصابه الحزن الشديد ، بعد أن اصبح أحد أفراد الأسرة ، وكان سيراها ليل نهار ، فرت من بين يديه.

ترك عبد الله الموسيقى وعمل فى أحدى شركات والد نادية ، أعتلى منصباً كبيراً ، وقاد أغلى السيارات.

وفى أحد الأيام ، ظهيرة يوم الخميس الساعة الواحدة ، رآها ترتدى معطف أحمر وحذائاً اسود وشعرها الاشقر الناعم يتطاير مع الريح .

وقف بالسيارة وركض نحوها كالمجنون ، صارخاً صوفيا ...صوفيا .

ألتفت صوفيا نحو الصوت ، والغريب أنه أول مرة يشعر انها سعيدة برؤيته..!.

سارا معاً ساعات طويلة ، وتناولا العشاء معاً ، وأوصلها لمنزلها الذى كان عبارة عن صالة صغيرة وغرفة واحدة .

أذن فهى فقيرة مثله ، أو كانت مثله ، فهو الأن أصبح غنياً.

أذن شادى هو من كان ينفق عليها لتبدو كالأثرياء .

جلسا سوياً على الأريكة ، وناولته كاساً من العصير .

-6-

وضع عبدالله كاس العصير وقبض على كفيها.

لا تقلقى ، أنت معى، سأعوضك عن كل شئ ، وغرق فى بحر عيناها الزرقاء.

وتلوثت نفسه بأثم الخيانه ، معتقداً انه العشق.

العشق المحرم .

شئ غريب ، الحرام يسعدنا رغم معرفتنا بفظاعته.

تعددت لقاءات هذا العشق المحرم، إلى أن طالبت المعشوقة بالكينونة.

أنها ليست من العدم ، هى ترغب فى الوجود الأبدى، تريد حقها ، تريد العشق المحلل....الزواج.

ولكن هيهات ....هيهات ، عندما تطالب النملة بحقها ويعلو صوتها لايسمعها أحد .

فكل ما نفعله نسحقها بقدمينا، أو نعطيها فتفوته من الخبز ، أملاً فى أسكاتها.

ولكن لا فائدة ، لا تزعن .

إذن ، فلنسحقها...!.

فهى أصبحت تهدد كيانه، وتنذره بأنها ستهدم معبده الزائف القائم على الوعود الكاذبة.

غريب ....، عندما لم يكن لدى ما أخسره كنت أملك كل شئ ، والأن أملك كل شئ وأشعر بأنه ليس لدى شئ..!!.

وقرر عبد الله بوضع خطة ، وهى سيصطحب زوجته لأحد المطاعم القريبة من منزل صوفيا للعشاء ، وبعدها ......!.

جاء النادل ووضع الطعام ، تناول عبد الله القليل وتظاهر بأنه يشعر بالتعب وعليه الذهاب للحمام.

وبالفعل خرج من الباب الخلفى للمطعم ، فليس هناك كاميرات وهو قريب من منزل صوفيا للغاية.

وقبع منتظراً أياها فى الظلام ، سمع صوت خطوات حذائها صاعدة درجة تلو الدرجة ...ها هى تقترب من النهاية...!.

لم تشعر صوفيا غير بقبضتين تلتفان حولها وتسحبها لداخل المنزل وتطعنها بطعنات كثيرة وبسرعة

ومع الطعنة الأخيرة التى نفذت للقلب ، خمدت أنفاسها ...!

 

-7-

وقف عبد الله يتأملها قليلاً ، ثم رمى السكين بجوارها ، وأسرع للخزانه سارقاً مصوغاتها الذهبية ، وأنطلق مغادراً و رمى علبة المصوغات فى أحد الشوارع، ونزع قفازيه ورماهم بعيداً ، وعاد راكضاً للمطعم، فكان يتصبب عرقاً ووجهه أصفر كأن روحه على وشك مفارقته.

مما دفع زوجته عندما رأته بهذا الشكل ، بالمغادرة والاسراع به للمنزل.

وبعد حوالى أسبوع بدأ عبد الله يسترد وعيه ، ويتذكر ما فعله .

أراد أن يصرخ ، ولكن عض الوسادة حتى لا يسمعه أحداً .

وبعد أن أسترد عافيته ، جلس يتناول الطعام مع الأسرة التى كان شغلها الشاغل هو خبر مقتل صوفيا.

والحق أن الجميع حزن لقتلها بهذه البشاعة .

شادى : المحقق يقول ما هى إلا ايام قليلة حتى يصلوا للفاعل، ثم نظر لعبد الله قائلاً ....محقق الشرطة يريد أفادتك..!.

سقطت الملعقة من يد عبد الله وأمتقع وجهه متسائلاً ..؟!.

ضحك شادى على منظره وقال : لا تنزعج هكذاً ، نحن جميعاً قمنا بذلك، فقط لإستكمال التحقيق.

فهى ...، وبدى على وجهه الحسرة ، كانت ستصبح زوجتى فى يوم من الايام.

هز عبد الله راسه ، وقرر أن ينصرف للعمل قبل أن ينفضح أمره.

وبعد وصوله بقليل ، تفاجئ بقدوم محققان من الشرطة إليه، فحاول أن يتظاهر برباطة جأشه.

ولكن أحد المحققين اخبره أن فى الفترة الأخيرة شاهده الكثيرون معها فى جولات متعددة .

حاول عبد الله أن يخرج صوته هادئاً : بالفعل أنها كانت خطيبة شقيق زوجتى ، ونحن أصدقاء.

فقد أصابتها الصدمة قليلاً بعد الأنفصال ، فحاولت ألهائها قليلاً ، فهى كانت حزينة لهذا الأنفصال.

فرفع المحقق حاجبيه وقال فى خبث: بالطبع ، ومن لا يحب أن يلهو مع أمرأة تمتلك مثل هذا القدر من الجمال ، ثم غمز بعينيه للمحقق الأخر الذى ابتسم.

عبدالله فى رجاء : سيدى ، أنا رجل متزوج وأنت تعلم لدى منصبى ومشاغلى ، وليس لدى وقت لتلميحاتك هذه.

أنا رجل يحب زوجته فقط ، وأرجو منك ألا تخبر زوجتى أو اسرتها عن ما أخبرتنى به ...أنت تعلم النساء.

-8-

هز المحقق راسه بسخرية وقام بمصافحته فى برود، وقبل أن يخرج من الباب ، قال بخبث وتهديد إذا لم يظهر الجانى فى غضون أيام سانستدعيك للتحقيق بشكل رسمى.

بادله عبد الله الابتسامة ببرود .

عندما اغلق المحقق الباب ، وضع عبد الله رأسه بين يديه صارخاً من داخله ، لقد ضاع وأنتهى أمره

فهو المشتبه به الأول.

وما هى إلا أيام ويلقون القبض عليه، ويلتف حبل المشنقة حول رقبته.

وبعد مرور أسبوع من الضياع والندم و الرؤى البشعة لصوفيا وهى تطارده فى نومه ويقظته.

جاءت أليه نادية مسرعة بالجرائد ، تخبره أجمل ما وقع على مسامعه ، لقد قبض على قاتل صوفيا وهو يحاول بيع مصوغاتها الذهبية.

خطف عبد الله الجريدة من يدها وقرأ الخبر، وأحتضن الجريدة ، وتنهد فى سعادة .

رفع عيناه لنادية ، انت فعلاً ملاكى الحارس ، هل لى بفنجان من القهوة.

سعدت نادية لسعادته ، وذهبت لتعد له ما طلبه.

جلس عبد الله على المقعد يقرأ الخبر ، وينظر لصورة الرجل الذى قبض عليه .

لا....، هذا حظ عجيب....معقول! الحظ حليفى دائماً ، يبدو أنه يعشقنى ، كل مرة ينتشلنى من كارثة ويخبرنى : أفعل ما شئت أنا بجانبك ، مهما فعلت من ذنوب ، سأسترك برداء الشيطان ، والغريب أن عبد الله لم يشعر بالراحة بعد ما اقترفت يداه ، فقد صار شارداً مهموماً ضائعاً ، تلاحقه أشباح قتلاه ليل نهار.

وكالعادة ، فى الصباح جائته ناديه لتخبره بأنه قد تم أعدام قاتل صوفيا بالأمس .

أنطلقت صرخة ألم من عبد الله ، وركل مائدة صغيرة بقدمه ، وأندفع كالمجنون خارجاً وسط ذهول زوجته .

صار عبد الله ساعات وساعات لا يعرف لأين ؟.

ها هو الحظ انقذه ولكن ضميره لا يتركه.

هل يتناسى ويستمر فى حياته ، ولكن هو غير قادر على الأستمرار بعد ما فعله.

أين الحل...؟ أين الطريق الصحيح ..؟ .

-9-

ماذا أفعل لكى أريح ضميرى من هذا العذاب .

أين الخلاص...؟.

لقد تلاعب بى الحظ ، وأنا منتشياً بذلك .

والأن فقط ، أدركت ماهيته الحقيقية .

أنه ليس حظ ..!.

أنه شيطان تنكر فى صورته .

ألقى بى فى غياهب العذاب الأبدى .

أين الخلاص...؟

اين الخلاص.....؟

ربت على كتفيه رجل طاعن فى السن ، كان جالساً بقربه وهو لم يلحظه، وجهه يشع منه نوراً ورضا.

سائلاً اياى : ما بالى ؟.

أجبت بصوت مقهور: لقد اضعت الطريق، وسرت وراء الضباب الكثيف، فلم أعد أميز .

ما هو الصواب من الخطأ..؟.

فأقترفت جرائم أخجل أن أخبرك بها.

أعتقاداً منى ان الحظ حليفى ، ولكن .....كان قاتلى...!.

أبتسم الرجل وقال : لا تحزن ، أنت شاب ، والطريق أمامك مازال طويلاً ، وما زلت قادراً على تغيير مسارك، فالندم يعقبه توبه، وهذا أول خطوات الطريق الصحيح.

يا بنى ، عندما كان يعم الوباء والمرض فى أحدى المدن ، لكثرة ما أقترفوه من فواحش ، يخرج جماعة من الناس يتعرضون لشتى أنواع العذاب متضرعين للاله بأن يرفع هذا الوباء ، والعجيب بأن الله كريم يصفح ويعفو .

عبد الله فى دهشة : ماذا تقصد ....لا أفهم !.

الرجل وهو يسير مبتعداً ..... حرر روحك وجسدك .......حرر روحك وجسدك بالألم والمعاناة.

الندم أول الطريق و ظل يردد هذه العبارات .....حتى أختفى ....!.

-10-

فجأة ...، انار عقل عبد الله بالذى يجب ان يفعله .

فللتوبة الخالصة شروط.

أختار عبد الله منزلاً بعيداً ، وقام بإستئجار رجلاً لكى يجلده بالسوط، وليرتفع صراخه لعنان السماء.

ولكن لا ينطق ، و لايأمر الرجل بالتوقف.

هو يستحق ذلك جراء ما أقترفه.

فقد أمتنع عن الطعام لأيام واسابيع ، وتعرض للهيب الشمس الحارقة، وقام بغرس الأدوات الحادة بجسده، وأحرق أجزاء من جسده بالنيران ، ونزع ثيابه وحذائه ، ومشى على الأحجار الحادة ، وقدميه تنزف دماً .

وكلما يزداد الألم ، يشعر أن روحه أرتفعت للسماء ، واقتربت من الخلاص، ولكن جسده مازال يشعر ويتالم.

فزاد عذابه اضعاف .

أذن الألم والمعاناة ، هى طريق الخلاص لترتقى الروح وتصعد طاهرة متعطشة للوجود الربانى .

وكلما شعرت بالالم والمعاناة تحرر جسدك هو الأخر ، وأرتفع وسما ، ليلتقى بالروح ، يسبحان سوياً فى ملكوت النور الألهى .

وفى ذات الأيام ، كان عبد الله وافقاً مرتدياً سروالأ ، وعارياً من فوق يبكى ويتضرع ، ويسقط على الأرض ، ويعفر وجهه بالتراب ، طالباً العفو ، والمغفرة.

اهتزت السماء بالعواصف الرعدية والبرق ، وعبد الله لا يشعر!! .

فقد وصل لمرحلة من عدم اللا شعور بشئ .

غير الوجود الربانى .

حتى أصابه البرق ، فسقط مغشياً عليه.

أفاق عبد الله بعد قليل ، وجد السماء صافية والنجوم تتزينها، والرجل ذات نفسه ، الطاعن فى السن جالساً بجانبه مبتسماً .

الالم والمعاناة لتحــرير النــفس ، والارتقاء بها للعشق الالهى .

عبد الله: أشكرك، الأن صــرت أعرف اين الطــريق.

-11-

من هنا بدى عبد الله كمــلاك ، يظهر فقط للخير والمساعدة .

و لا يعشق شيئاً ولا يرى شيئاً غير الله.

عندما يكون فى حضرة الرب ، لو شققت صدره بنصل حاد ، لا يشعر بذلك.

فهذا العــشق ، ليس لــه مثيل.

لا تنسى أن الحــظ قد ياتيك مبتسماً ، مرتدياً رداء شيطانى بــراق ، ليدفعك لإرتكاب أشد الفظائع .

لا مـــفر ..... من أن الألــم والمعــاناة

هى طــريق الوصـول لــبر الأمــــــان.

تمت،،،

مى عـــلام

 

c1937e62be56c38562831b61b7a3ca7d.jpg
الكاتبة مي علام