الثلاثاء 16 يوليو 2024 12:26 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

عادل القليعي يكتب : عمر بن الفارض.”567ه‍- 632ه‍.” ”سلطان العاشقين”

دكتور عادل القليعى
دكتور عادل القليعى

مقالتى عن علم من أعلام التصوف وعاشق ومحب هام في حبه المحبين.
شاعر من شعراء الصوفية وظف شعره فى حب الله ورسوله وحب آل بيته.
صاحب دواوين شعرية يغرد بها المغردون إلى وقتنا المعاصر ، هؤلاء قوم أخلصوا حبهم لله فاختارهم خدام.
حنت إليهم قلوب المحبين فتعانقوا الأرواح إنه عمر بن الفارض.
أبو حفص بن الحسن بن على بن المرشد بن على ، الحموى الأصل ، المصرى المولد والدار والوفاة، المتوفى عام ٦٣٢ ه‍، وقد قارب السبعين ودفن فى المقطم ،وكانت ولادته سنه ٥٧٦ه‍
موصوف بالشرف ، له ديوان شعر طريف ، وأسلوبه رائق ظريف ، ينحو منحى طريقة الفقراء ، وله قصيده تبلغ ستمائة بيت (القصيدة التائية )_انظر، التصوف الإسلامي فى اتجاهته الأدبية ، د، قيس كاظم الجنابى ،طبعة ثانية، مصر ، ٢٠٠٨م ، ص١٥١ .
منهجه ، سلك طريق التصوف ومال إلى الزهد متحققا بالشريعة تاركا الدنيا بما فيها على ما فيها .
قصد مكه فى غير أشهر الحج واعتزل فى وادى بعيد عنها .
وفى عزلته فاضت عليه الفيوضات الربانية فراح ينظم أشعاره فى الحب الإلهي ومكث فى مكة خمسة عشر عاما، وكانت تلك العزلة هى المنبع الذى فاضت منه معظم أشعاره حيث أتاحت له تأمل أحوال نفسه والغوص فى الخيال البعيد وأسرار الملكوت .
وبعد أن عاد إلى مصر أقام بقاعة الخطابة بالجامع الأزهر فكان يقصده كبار القوم وكبار الدولة ،فكان له قبولا عند الناس فتخلى عن ما كان فيه من زهد وتقشف وصار يلبس الملابس الجميلة ويعتنى بشكله ويتأمل فى جمال الطبيعة.
تتلمذ على فقه الشافعية.
اتهمه ابن تيميه بأن حقيقة مقالاته ضلالية وأنه من أهل الإلحاد القائلين بالحلول والإتحاد ووحدة الوجود ، كما كان عليه ابن عربي وابن سبعين وأمثالهم .
فاحتاج الناس إلى كشف حقائق هؤلاء، وبيان أمورهم على الوجه الذى يعرف به الحق من الباطل .
ولنا رأى فى هذا الأمر نختلف فيه مع ابن تيمية وتشدده مع هؤلاء فعلى الرغم من احترامنا له فى فتاويه وآرائه الفقهية إلا أنه سلك مسلك اتهام هؤلاء الأكارم بالكفر و والإلحاد وأنهم من القائلين بوحدة الوجود والحلول والاتحاد إلا إننا نجابهه بسؤال: أيا تقي الدين هل شققت عن قلوبهم حتى تتهمهم بالكفر والمروق عن الملة.
قلوب العارفين لها عيون ، ترى ما لا يراه الناظرونا
وأيا فقيه الدين أذكرك بقول الإمام الغزالى رحمه الله ملتمسا الأعذار لهؤلاء ومن على شاكلتهم و حال المحبين .
فكان ما كان مما لست أذكره فظن خيرا ولا تسئل عن الخبر .
أقولها لكل متشدد فى كل عصر دعوا هؤلاء و شأنهم وأذكركم بقوله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم) ،وأذكركم بقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ).
دعوا هؤلاء و شأنهم، فهل انتم منتهون.
أشعاره ، استقى ابن الفارض ألفاظه وصوره من شعر الغزل العربي وفى أشعاره يكتب للعوام ويفهم فهما يتناسب مع الأمكنة والأزمنة، ومشاعر الحب ، ولكنه فى حقيقة الأمر يعرض عالما خاصا ،عالما صوفيا يحمل مايحمله من الإشارات والرموز التى تعبر عن تجربته الروحية
يقول فى التائيه الكبري ،المسمى بنظم السلوك
سقتني حميا الحب راحت مقلتي.
وكأسى محيا من عن الحسن جلت.
فأوهمت صحبي أن شرب شرابهم.
به سر سرى فى انتشائى بنظرة.
فقد حان سكري حان شكرى لفتية.
بهم تم لى كتم الهوى مع شهرتي.
ولما انقضى صحوى تقاضيت وصلها.
ولم يغشنى فى بسطها قبض خشيتي.
أنظروا إلى روح المحبة فى هذه الأبيات، فها هي المفاهيم الصوفية تتجلى فى أروع صورها كالسكر والشكر والتجلى والباطن والظاهر و المشاهدة والكشف والأحوال والتوبة والحقيقة مما يعد أقصى درجات التواصل مع الله.
وفى حبه للحبيب يقول :
شربنا على ذكر الحبيب مدامة.
سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم.
ويقول عن لذة الحب الإلهي والإتصال الروحى بحقيقة الله أن المحبة لديه محبة أزلية قديمة منزهة عن العلل ، مجردة عن حدود الزمان والمكان.
ومن نوره مشكاة ذاتى أشرقت.
على فنارت بي عشائى كل صحوتى.
فمشكاة نور الشاعر هى مرآه تنعكس على أنوار الوجود كله.
أنظروا يا من تتهمون الرجل بالزندقة، كيف كان متأثرا بالقرآن الكريم فى قوله تعالى( الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة) ، أنظروا إلى منهج التذوق والاستبطان الذي يلج به الصوفى حضرة الكلام الإلهي بواسطة تحقق ذوقي.
وفى حديثه عن خلوته مع حبيبه يقول :
لقد خلوت مع الحبيب وبيننا سر أرق من النسيم إذا سرى.
وأباح طرفى نظرة أملتها فغدوت معروفا وكنت منكرا .
فدهشت بين جماله وجلاله وغدا لسان الحال. مني مجهرا.
ويقول أيضا:
أنتم فروضي ونفلى.
أنتم حديثي و شغلي.
يا قبلتي فى صلاتي.
إذا وقفت أصلي.
جمالكم نصب عينى.
إليه وجهت كلى.
وسركم فى ضميرى.
والقلب طور التجلى.
آناست فى الحي نارا.
ليلا وبشرت أهلى .
فقلت امكثوا فلعلى.
أجد هداى لعلي.
دنوت منها فكانت.
نار المكلم قبلي.
صارت جبالي دكا.
من هيبة المتجلى.
ولاح سر خفي.
يدريه من كان مثلي.
أنا الفقير المعنى.
رقوا لحالى و ذلى.
إنه سلطان العاشقين وإمام المحبين ومقصد الطالبين ، عمر بن الفارض المتوفى سنة ٦٣٢ه‍. والذى دفن فى مسجده المشهور بالمقطم .

# أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان