الثلاثاء 16 أبريل 2024 12:46 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب الصحفى أسماعيل أبو الهيثم يكتب : هذا رجل أدي واجبه !!

الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم
الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم

في زيارة لي لدولة جنوب أفريقيا ١٩١٧ بدعوة من مجلس القضاء الإسلامي بمدينة كيب توان ، والذي نظم لي بعض الزيارات للأماكن ذات البعد التاريخ، مثل طريق رأس الرجاء الصالح ، جبل الطاولة أحد عجائب الدنيا السبعة ، وأكملت مشاهدة معظم الأماكن السياحية والولايات والمدن الكبري ( جوهانسبرج وبريتوريا ، لانسريا وغيرها ) في الزيارة الثانية والتي كانت بعد الأولي بتسعة أشهر ، ورغم الأماكن الكثيرة التي زرتها. إلا أني لم أتمكن من زيارة جزيرة روبن آيلاند التي تحتضن السجن الذي قيد فيه الزعيم الخالد نيلسون مانديلا. لأقف علي عنف القيود التي فرضت علي الزعيم في محبسه .

وعندما نقلت لمرافقي حزني علي عدم تمكني من زيارة الجزيرة أدار السيارة واتجه بي إلي الطريق المتجه من مدينة كيب تاون إلى دوربان ، ووقف بي عند قرية كونو حيث دفن خالد الذكر الرئيس نيلسون مانديلا ، وقد كتب علي مقبرته
This is the grave of a man who fulfilled his duty
هذا قبر رجل أدى واجبه ) ،
قلت لمرافقي : ألا أبلغ من كتب هذه العبارة الماتعة ، إنها جسدت السيرة الذاتية لرجل عظيم في خمس كلمات لا غير !!
خمس كلمات أقوي وأبلغ من خمس مجلدات ، حفظت الكلمة في ذاكرتي لعلي أحتاجها ذات يوم عندما أتصدي للكتابة عن شخصية أدت ما عليها من واجبات !!

اثناء سفري الشهري لمدينة القاهرة لتسليم أعمال مكلف بها من قبل جهة أعمل بها بعد المعاش ، قابلت شيخ وقور تجاذبنا أطراف الحديث أثناء حجز تذكرة القطار . فإذا به بلديات شخصية أستطيع بكل عدل أن أطلق عليه : أنه رجل أدي واجبه علي أكمل وجه .

فمن هو ذلكم الرجل ؟ قبل أن أبين من هو , أعتذر للرجل الذي أوجز حياة مانديلا العظيم في خمس كلمات ، لأني لن أستطيع أن أوجز حياة تلكم الشخصية في خمس مقالات .
فكيف هي بلاغته عندما جسد شخصية تطير عليا في سماء المجد وستبقي في ذلك المدار لعدة قرون قادمة أن شاء الله.

لقد ولد المرشح لإعطائه ذلك اللقب العظيم من قبلي في العاشر من شهر يوليو لعام 1944م
بقرية كفر الشرفا الغربي مركز تلا محافظة المنوفية ، وبعد ولادته بعدة أعوام قليلة فقد أبويه صغيرا واحتضنته جدته لأمه وقامت علي تربيته وتنشئته النشأة الصالحة ، فخرج طفلا مؤدبا صالحا ودخل المدرسة وحصل علي الإعدادية ، ثم التحق بمعهد المعلمين وتخرج منه وتم تعيينه مدرسا للمرحلة الإبتدائية بقريتي ( الرجدية) مركز طنطا محافظة الغربية ، ومنذ قدومه لقريتي خطف الأنظار بشياكته وأناقته الباهرة ، وبتسريحة شعره الأسمر الطويل اللامع ، وبحرفنته في لعب كرة القدم ، و في طريقة مذاكرته في كتب كلية الحقوق التي كان ينتسب لها ويحقق التقدير الأعلي دوما ، وكله كوم وشياكة البالطو الأبيض الذي يرتديه أثناء حصة العلوم كوم آخر ،
أما عن أناقته وطريقة مسكة صباع الطباشير بين السبابة والوسطى بشكل أنيق يفوق طريقة نجوم السينما ، وفوق كل هذا الحب الذي يغلف علاقته بجميع التلاميذ ( وأنا منهم) ينفرد حبه لزميلته أبله ( ه) بكونه واحداً من أروع وأنقي وأشيك العلاقات العاطفية ، والتي كانت مرجعاً للكثير منا ( وأنا منهم ) في تقليده في معارفنا العاطفية ، سواء في مرحلة الإبتدائي أو ما تلاها من مراحل !!
كانت فقط تحتاج أن أكون كبيراً وقتها لتدونيها وتحويلها إلي واحدة من أروع قصص الغرام الملتهبة ، ولو حدث ذلك لختفت أعمال درامية ونجوم بلغوا مبلغا من الشهرة في هذا المجال!!؟
كنا نتنافس أينا أكثر حبا لأستاذه ، وأينا ينال إهتمام أستاذه أكثر ؟ .ولم يفلح أحدنا في الفوز خلال هذه المنافسة ، فقد كنا جميعا نعشق أستاذنا ، وهو يبادلنا جميعا الحب والاهتمام ، وقد فرضناه جميعا علي أسرنا ، لكثرة الحديث عنه ، حتي عرفه رجال ونساء قريتي.

ومثل إنتهاء كل شيء جميل بسرعة ، انتهت المرحلة الإبتدائية لجيلي ، عام نصر أكتوبر العظيم ، الأمر الذي يحتم علينا البعاد عن مدرسنا المحبوب !!

ومع نهاية المرحلة الإبتدائية لجيلي رزق أستاذي العظيم ببعثة إلي دولة ليبيا وكان في أمس الحاجة لها ، وبالفعل حزم حقائبه وسافر ، ولكن السعادة لا تأتي منفردة ، حيث تزامن مع قرار السفر ، قرار تعيين أستاذي وكيلاً للنائب العام .
وهكذا عمت الفرحة كافة بيوت قريتي .الجميع يهنئون بعضهم بتولي ابنهم ( الاعتباري) ذلك المكان السامق !!
واخذ طريقه في القضاء ، واخذتنا الحياة في طريقها سربا ، حتي التقيته ذات يوما في مدينة طنطا وقد أنهيت سنوات الدراسة ، وأخذت طريق الصحافة هواية وعملا .

فنصحني أن التزم طريق الأزهر والذي جائني خطاب التعيين به في مجال الوعظ ، باعتباره طريقاً آمنا يقرب الإنسان من خالقه .ومرت سنوات تجاوزت العشر ، قابلته في مسجد الشيخة صباح بمدينة طنطا ، فأخذني إلي شقته وقدم لي واجبات الضيافة بنفسه وبمنتهى الحب والتواضع .
ودعوته أن يصلي معي الجمعة التالية بالمسجد الأحمدي ( مسجد السيد البدوي ) حيث أصلي مع مجموعة من كبار الشخصيات بقاعة كبار الزوار .

أوفي الوعد وتقابلنا أمام المسجد ، ولكنه رفض أن يصلي في أي مكان سوي ساحة المسجد المكتظة بالرواد ، وجلست بجواره ، وبعد فترة جاء مصلي ودفعه من الخلف قائلا له أمام شوية يا بشمهندس ، فنظرت للرجل نظرة عتاب علي طريق الطلب ، إلا أنه عاتبني علي طريقة تعاملي مع الرجل ، قائلاً: يا ابو السباع ، نحن جميعا أولاد تسعة ، والرجل لم يخطئ في شيء ، ولم يعجبه طريقتي بأني أصلي في قاعة كبار الزوار ، لافتا نظري إلي أن صلاة الجمعة من أهم سماتها أنها تضع كافة البشر علي اختلاف مستوياتهم في صف واحد لا يتميز فرد عن الآخر بشئ مهما كان صغره !؟

ثم كان التصادم الثاني لي معه بعد أن خرجنا نشرب القهوة في فندق عرفة الشهير بمدينة طنطا ، عندما سألته عن السبب وراء تواضع أثاث شقته بشكل لا يتناسب مع وضعه ومكانته الاجتماعية ، فقال : أجيبك بشرط ألا يكون لك تساؤل ثالث ، وإلا يكون هناك فراق بيني وبينك !!

أما عن تواضع أثاث بيتي ، فأنا رجل الظروف تفرض عليه ألا يكون اجتماعبا البتة ، فأنا دائما مشغول بقراءة القضايا التي انظرها بعناية فائقة لخطورة الموقع الذي أشغله ( نائب رئيس محكمة النقض) فلما اقتني عظيم الأثاث وأنا لا يدخل بيتي غير أهل زوجتي ، وأنت تعرف أني لم أرزق الأولاد ، والموجود يكفي ، ثم يجب أن تعرف أني أوجه ما أرزقه ( وهو كثير جدا ) إلي مصارف تقربني من رضا ربي !!
فهمت ، ولم أحاول طرح أي سؤال حرصاً علي بقاء المودة ، والتي استمرت هاتفياً يتابعني واسأله عن أحواله ،حتي قبل وفاته في ٢٠٠٠/٧/٢٠ بقليل.
ويوم وفاته كنت مغتما للغاية ، يومها طلب مني أثناء عملي بمكتب الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيء ما ، فطلبت إرجائه للغد لأن حالتي النفسية سيئة لوفاة أستاذي فلان الفلاني ، فإذا بالشيخ علي فتح الله رئيس قطاع المعاهد الأزهرية وعضو مجمع البحوث الإسلامية ، والمهندس أحمد كامل مرسي ، رئيس الإدارة المركزية للشئون الهندسية بالأزهر يقولان لي : وهل تعرفه ؟ قلت لهم ، نعم إنه استاذي وأنه وأنه ...فقالا الإثنان رضي الله عنهما : إنه رجل تعجز مفردات اللغة العربية علي غناها وكثرة مفرداتها من صياغة كلمات تحدد بوضوح حجم وعمق خصال البر المتجذرة فيه بعمق وعنف.

إنه نموذج يحتذي في الادب والوقار والكمال وحب الخير وفعله ، وان له مواقف مضيئة في هذا المجال في بلدنا نحن الثلاثة ، كفر الشرفا الغربي مركز تلا محافظة المنوفية. ومن فرط تلك الصلة علا موقعي عندهما تجلة لأستاذي العظيم المستشار محمد علي رحب ، مدرس العلوم بمدرسة الرجدية الإبتدائية ، ونأئب رئيس محكمة النقض بالغ القيمة والمكانة والحيثية.
الخلاصة.

أن العظماء يعيشون عمرين ، عمرهم الأول الذي يقضونه في الحياة بين الناس ، ثم يلحقون بربهم بعد سنين من حياتهم طالت ام قصرت ، أما عمرهم الثاني فهو الذي يعيشونه في ذاكرة الناس ، بما تركوه وراءهم من سيرة عطرة وأعمال جليلة .
وأستاذي المستشار محمد علي رحب نائب رئيس محكمة النقض مصمم ألا يموت بما تركه من أعمال وخصال حميدة في نفوس طلابه و زملاءه وأهل بلدته بل والإنسانية جمعاء .

فكان أستاذي بكل صدق وأمانة من أولئك الناس الذين تبقي ذكراهم علي كل لسان ، وصفاتهم محل تقدير واعتبار عند كل من تعاملوا معه وعرفوه .

خلاصة الخلاصة:
تكون الذكري أعمق والتقدير أرسخ عندما يكون العطاء للعلم وطلبته ، وخدمة للعدالة في أبهي صورها ، بحيادية تامة ، وبيد نظيفة وسيرة عطرة وتواضع جم .
إن دموع طلاب هذا الأستاذ لم تجف ، وما أظنها تجف حتي لقاؤه ، بما كتب لنفسه بنفسه سطور مضيئة علي صفحاتنا البيضاء فاحتفظنا بها كما هي حتي نلقاه .

واسمحوا لي أيها القراء الأعزاء أن أقول أن أستاذي المستشار محمد علي رحب نائب رئيس محكمة النقض الأسبق رجل ادي ما عليه من واجب ، لمحراب العلم وطلابه ، ولمحراب العدالة ، قاضياً بالغ القيمة والمكانة الرفيعة والسيرة العطرة والشموخ المتواضع ، ولأهل بلدته كفر الشرفا الغربي مركز تلا محافظة المنوفية ، ولكل من عرفهم وعرفوه .رحمه الله رحمة واسعة رحمة تلحقه بالصالحين إنه ولي ذلك والقادر عليه.

3846c2bf54ed.jpg